الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

هل تحول السودان الي ساحة لتصفية الحسابات ؟

بكل ما يحتويه عالم السياسة الدولية من خبث و ليس هنالك من يضاهي اللعب بمصائر الشعوب الضعيفة و استغلالها لخدمة دول اخرى متسلطة خبثا
هنالك تكتيك معروف في عالم الحروب الباردة و استراتيجية متبعة وهي تقوم على نقل المعركة لارض الخصم و ايضا نقل المعركة لارض اخرى محايدة في حالات الصراعات لمصيرية و المحتدمة
 اذا تحدثنا عن الاخيرة-اي نقل المعركة لارض محايدة- فمن المعروف ان هنالك عرف بين الدول الكبرى المتصارعة  وهو انه دائما في حالة تضارب المصالح و احتدام المعارك تقوم هذه الدول بنقل معاركها لدول تستخدمها كساحات للعراك و تصفية الحسابات و ارسال الرسائل السياسية و ذلك حتى تضمن اطراف الصراع اقل الخسائر لها و لشعوبها ضاربة بعرض الحائط ما يمكن ات تصيب تلك الدول الصغيرة و شعوبها من ضرر.
هنالك امثلة كثيرة على ذلك و الحرب العالمية الثانية مثال جيد و على سبيل المثال لا الحصر فقد قاتل اليبانيون و الاميريكيون في الفلبين الامر الذي ادى لدمارها الشديد و مقتل الالاف من المواطنين الابرياء , و ايضا قتال الجيش الاحمر السوفيتي لالمانيا النازية في بولندا .
و مثال اخر لذلك ايضا ما حدث ابان  الحرب الباردة حيث نقلت كل امريكا و الاتحاد السوفيتي معركتهما لمركز نفوذ الطرف الاخر فاالولايات المتحدة  نقلت معركتها لدول لاوربا الشرقية كجوريجا و التشيك و يوغسلافيا المتداعية حينها و التي كانت تعتبر بمثابة الحديقة الخلفية للدولة الشيوعية و في المقابل نقل الاتحاد السوفيتي معركته للحديقة الخلفية للولايات المتحدة الاميريكية الا وهي دول امريكا اللاتينية و البحر الكاريبي ككوبا و فنزويلا و كولومبيا و كانت وقتها حادثة الصواريخ الكوبية الشهيرة في عهد الرئيس جي اف كيندي  ان تجر الدولتين لحرب شاملة .
كلنا تابع قضية ضرب مصنع اليرموك و ما تبعته من تحليلات و لكن هنالك حدث لم ياخذ من الضجة ما فيه الكفاية اقله هنا في السودان فبعد احداث مصنع اليرموك التي اكد  تقريبا كل خبراء الاستراتيجيا و محللي السياسة على مستوى العالم على انها كانت طلعة تدريبية لسلاح الجو الاسرائيلي على نفس المسافة التي تفصل المنشئات النووية الايرانية عن اسرائيل و ايضا رسالة  صريحة لايران لتكبح جماح نشاطاتها النووية  , بعد تلك الحادثة فوجئنا بالامس بالخبر الذي ذكرته وكالة فارس الايرانية أن قوة مهام تابعة للبحرية الإيرانية رست يوم الاثنين 29 أكتوبر/تشرين الأول في السودان، حاملة معها "رسالة سلام وأمن للدول المجاورة"
منذ الوهلة الاولى لم اصدق الخبر و لكن بعد ساعات تأكد الخبر من وكلات انباء اخرى كرويترز و BBC و قناتي الجزيرة و العربية و لكن ما استغربه حقا و اسئلتي للحكومة السودانية التي لا نعلم الى اين تقودنا هي :
هل الحكومة تريد جرنا الى صراع اقليمي و نحن في هذا الوضع ؟ وهل هي حقا تدرك جيدا ما تفعله ؟ و هل ستكون قادرة على تحمل تباعت ما تفعله ؟ و هل نحن في وضع يسمح لنا بدخول صراع اقليمي فوق طاقتنا ؟ و هل سنكون كبش فداء لايران فقط لتحقق مكاسب استارتيجية في مسار قنبلتها النووية ؟
الوضع في الشرق الاوسط مشحون للغاية  فاسرائيل و الولايات المتحدة الامريكية من جهة و ايران و حلفائها من جهة اخرى اطراف في صراع اقليمي مصيري على مصالح و نفوذ و قضايا نعتقد بانها اكبر من دويلتنا المهترئة هذه و هنالك حرب مترقبة لا اعتقد ان لنا فيها ناقة او جمل لو سقنا اليها كساحة او طرف و اقول ان هذا صراع بين عملاقة لا حمل لنا به خاصة و نحن في هذا الوضع المأساوي من كل الصعد و الحالة الاقتصادية و السياسية و الامنية و الاجتماعية المتردية لابعد الحدود
و لتتذكر الحكومة المثل الذي يقول when elephants fights grass are the only victim
                                

الخميس، 25 أكتوبر 2012

اسرائيل صبرت علينا كتير !!


اولا : الازمة اسبابها و تبعاتها
من يتتبع الاعتداءات الاسرائلية على السودان يعلم إنها ليست جديدة  و يعلم جيدا ان منها المعلنة و غير المعلنة و بل و المستغرب ان منها ما لا تعلمه حتى الحكومة السودانية.
هذه الاعتداءات تتطور باستمرار و جميعنا يسلم بحقية أن إسرائيل دولة مغتصبة لحق الغير لا تعترف لا بالاعراف و المواثيق الدولية و لا حتى بسيادة الدول و استقلاليتها مادام تكلك الدول تهدد مصالحها و لكن ولللحق نقول ان اسرائيل و للأسف بعكسنا تماما فهي دولة مؤسسات ديمقراطية مسؤولة أمام  شعبها و تثير المشاكل إلا وقت حسبت جميع تبعاته و لا تعتدي على دول او تهدد مصالح الغير إلا عندما تهدد تلك الدولة مصالحها و تمس ما تعتبره اسرائيل أمنها القومي .

الاعتداءات المتواصلة على السودان كانت ممنهجة و ليست عبطية انما على ما يبدوا مبنية على معلومات استخباراتية حساسة عن دعم الحكومة السودانية لحركة حماس بالمال (سنويا) و بالسلاح من حين لاخر مستغلة طرق التهريب بالبحر الاحمر و السكان البدو في محافظة البحر الاحمر المصرية و سيناء  و هنا نجد انه عندما تستهدف دولة مثل اسرائيل سيارة عادية في بورتسودان من وسط الاف السيارات فهي لا تفعل ذلك عبطا  و انما بمعلومات دقيقة و حساسة
الاعتداءات الاسرائيلية كانت و لمن يتابع تقريبا كانت على السيناريوهات التالية :-
1- غارات جوية على اهداف بعينها في اطراف السودان (قوافل و طرق التهريب) دون ان تعلن عنها
2- تطور الامر الي غارات لاهداف في اطراف السودان (قوافل و طرق التهريب) مع الاعلان عنها
3-اخيرا كان غارات على اهداف في عمق السودان (المصادر) مع الاعلان عنها
كما اشير الى  انه كانت هنالك تقارير غير مؤكدة تشير ان اسرائيل  بعثت برسائل بطرق غير مباشرة لجهات سودانية تحثها مرارا على الكف عن تهريب و تزويد حركة حماس بالسلاح دون ان تلاقي اي صدى عند الحكومة السودانية
  الخلاصة : ان نعلم كيف ضربنا هذا شرف تنازلنا عنه و نعترف باننا لن نصل اليه (اللهم الا) اذا تكرم المعتدي و اخبرنا كما فعلت اسرائيل مشكورة في الوقت الذي كان فيه مسؤولي حكومتنا يتخبطون في تحديد الاسباب , ان الذي يهمنا كشعب ان نتملك جميع الحقائق و ان نعرف لماذا ضربنا  ,( وهذا ابسط الحقوق التي نطالب بها  او اقله يطالب به من قضى بالامس و هو نائم في بيته )
سؤال اخير ما زنب هؤلاء الذين قتلوا بالامس في ان نكون ملكيين اكثر من الملوك في دعم القضية الفلسطينية
و من هذا المنطلق نتسائل ماهي الغاية من تحويل دولة فقيرة مثل السودان لدولة مواجهة في الوقت الذي بالكاد نحاول فيه بأن نبقى كيانا موحدا و في الوقت الذي لا نملك فيه مقدرات الدفاع عن انفسها امام جماعة مسلحة دعك من اسرائيل و كل ذلك و لمذا ؟!! فقط في سبيل دعم قضية كالقضية الفلسطينية التي  حتى اصحابها باعوها في سوق السياسة و اضحوا منقسمين فيما بينهم , قضية لسنا بالضرورة معنيون بها لوحدنا في وسط محيط عربي هو في كل الاحوال افضل منا ماليا و سياسيا و عسكريا و بمراحل , مع العلم اننا  نتفهمها اي -القضية- و نقف مع شعبها في سبيل تكوين دولته المستقلة و عاصمتها القدس الشريف 
لذا و بمفهومها فاسرائيل قد صبرت علينا اكثر من اللازم ؟؟!!
ثانيا : تعامل الحكومة مع الحدث :-
التخبط كان باديا على مستوى الدولة و لم يكن خافيا على احد  فالكل كان يصرح على هواه من قيادات الشرطة التي تقول انه ماس كهربائي الي والي الخرطوم الذي قال ان سبب الانفجار داخلي (عامل لحام كما اورد البعض)  و بعض السياسيين الذين كانوا يبحثون عن تبريرات اكثر منه عرض للحقائق
و وسط ذلك البازار كان تائها المواطن السوداني لينام ليلته الاولى مسلما بان الزمن وحده كفيل بافهامه ما حدث
المواطن السوداني المغلوب على امره اضحى يكتشف يوما بد اخر انه يعيش على حد الصدفة البحتة و ان الدولة التي و تسرق من قوت يومه و  انهكته بالضرائب و الجبايات غير موجودة اصلا في ابسط الاعراف لمفهوم الدولة و الدليل ذلك التخبط الذي شهدناه بالامس و الهلع و الخوف الذي ترك فيه الناس و الاشاعات التي انتشرت في البلاد , المواطن السوداني ايضا يكتشف ان دولته (المزعومة) التي تركت الاقتصاد و الصحة و التعليم و البحث العلمي لتصرف 90% من ميزانيها على الامن-لا امن فيها ولا يحزنون  ( عن اي امن نتحدث و دولة تضرب في عاصمتها)

المقالة القادمة : خيارات السودان في كيفية التعامل مع الازمة

الأربعاء، 3 أكتوبر 2012

الخرطوم تقرأ

يوم القراءة في الخرطوم

" الذين يغيرون العالم هم أولئك الذين يقرأون".

لماذ
ا لا تقرأ يا صاح ؟؟؟
...

الاعذار كثيرة لكن الاقناع اصعب ... الاعذار سهلة لكن الاقناع محال.

فتح الكتاب يتطلب عقولا جاهزة وراغبة ومتفتحة ... وصلت لدرجة من النضج وصارت تبحث عما لا تعرفه و تتعطش لمزيد من العلم و المعرفة
القارئ شخصية غريبة في الأماكن العامة ... إذ يمارس هوايته عادة في ركنه الخاص ... نريد ان نغير هذا المفهوم ... المرة دي دايرين نجرب احساس اخر ... متعة أن تقرأ وسط الجموع ... لن يندهش أحد أنك تقرأ ... لأن الجميع من حولك يقرأون
نحن نريد أن نثبت من خلال هذه التظاهرة ''يوم القراءة في الخرطوم'' أن جيل الفيسبوك ايضا يهتم بالقراءة وبالكتب ... نريد أن نؤكد أن الكتاب سوف يظل خير جليس دوماُ وابداُ
نحن كشباب السودان و تحديداُ شباب الخرطوم العاصمة ... نريد ان نستعيد المقولة القديمة ( ...... والخرطوم تقرأ ) لا يهم اين تطبع الكتب .... صح ... المهم الخرطوم تقرأ ... حبينا نعمل الفكرة دي من منطلق حبنا للقراءة و العلم ... نريد ان نعيد انتاج مجتمع يهتم بالقراءة عموما .
فكرة تعليم بلاحدود تدور حول نقطة تحريك المجتمع نحو قضايا التعليم ... تعليم بلاحدود ما منظمة أو جمعية خيرية ... تعليم بلاحدود هي حركة تغيير إجتماعي ... تعمل على تفعيل المجتمع والتفاعل معه ... بحيث تكبر المجموعة وتتوسع لتصير بحجم المجتمع ... ومن ثمّ تذوب فيه لتختفي نهائياً ... مخلفةً وراءها مجتمعاً يهتم بالتعليم كقضيةٍ ملحةٍ دوماً وأبداً.
تعال/ى انت واخوك وصاحبك وجارك وكل محبي القراءة اللذين تعرفهم ... شارك شباب الخرطوم في يوم القراءة الاول ... اليوم ده كل المهتمين بالقراءة حييجوا يتشاركوا الكتب والخبرات التى اكتسبوها من القراءة
لو بتحب القراءة لازم نشوفك ... ولو مش مهتم لازم تجرب

يوم القراءة في الخرطوم السبت 6/10/2012

الجمعة، 6 يوليو 2012

شاذ افقي و افتخر!!!!

من ينظرالي حال السودان اليوم تنتابه الكثير من المشاعر المتداخلة من دهشة و استغراب , حزن و اسي , و ترقب و خوف من المستقبل
لم يكن احد من شذاذ الافاق السودانيين ليتنبأ بعد قرون من الحروب و الدماء التي سفكت و كان البعض يستميت ليقنعنا انها للحفاظ على تراب الوطن موحدا و مصونا من ( الخونة ) و بعيدا عن اطماع ( الاعداء) , نعم لم يكن لاحد ليتنبأ بذلك ولا حتى اكثر المتشائمين لنكتشف بين ليلة و ضحاها اننا فقدنا ثلث مساحتنا و ثلاث ارباع مواردنا اليس هذا امر يدعو للدهشة و الاستغراب !!! . اما الحزن و الاسى و هو الشعور السائد فهو حزن على ارض بذلنا فيها الغالي و النفيس للحفاظ عليها و بددنا فيها عوامل مهمة لتقدم اي امة ( الوقت و المال و الشباب ) فقد ففقدنا فيها خيرة شبابنا اطباء و مهندسين اساتذة و معلمين و عمالا و فلاحين كانوا من  المفترض ان يساهموا في بناء الوطن و يعيشوا فيه سادة مكرمين .
امضينا اكثر من نصف قرن نبدد الامول في حرب هي خاسرة من الاساس , اموال لو وجهت التنمية لكانت كفيلة بأن تغير شكل السودان الذي هو معروف به اليوم و كانت كفيلة بأن تغسل عن وجه شعبه المغلوب على امره مرارات الفقر و الجوع و الحرمان و المرض وعن الدولة ( المهترئة المؤسسات ) وصمة الدول الاشد فقرا بين دول العالم بالرغم من تواجدها على اغنى الاراضي على وجه البسيطة   , حرب تخلينا فيها عن ابسط حقوق المواطنين لا لشئ سوى اننا اقتنعنا ( لسزاجتنا ) بأنه من اجل مصلحة البلاد  سنرضى بالفتات  و ان نتفرق احيانا في الشتات بحثا عن الزاد و الذات
و كل هذا كان يمكن ان يكون ثمنا مقبولا يدفعه الشعب كضريبة لو كانت الغاية ان نرى السودان في مصاف الدول المتوسطة و الميسورة  الحال على الاقل و التي يكون عماد مكونها الاجتماعي و الاقتصادي ( الطبقة الوسطى ) المثقفة , و تضيق فيه الطبقة الفقيرة ولكن لم يتغير شئ بل ازداد سوءا , فالمرض هو المرض و القفر نفسه  ناهيك عن التخلف و الجهل و تلك الحروب التي ما ان تنطفئ حتى تشتعل فأنهينا حرب الجنوب لتشتعل الحرب في ( خاصرة السودان ) جنوب الشمال , ودارفور و اماكن اخرى
و المحزن ان لا احد يتعلم , لا الساسة ولا الشعب , اما الشعب الشاذ افقيا فمغلوب على امره منشغل و هائم لجمع لقمة عيش بالكاد تبقيه حيا و هو في الغالب شريحتان شريحة جاهلة وهي ( حسب رأي ) الغالبية و شريحة متجاهلة ترى انه يجب ترك كل شئ للقدر , و اما السياسيون فما زالوا يطبقون نفس السياسات البالية في التعامل مع الازمات الازمات ولو بتحسينات و اضافات هي في الغالب قشرية غير جوهرية , سياسات كانتهاج الحل الامني والقوة كخيار وحيد لمعالجة اتفه الامور ( متناسين ان اشرف الخلق محمد (ص) صحيح انه قاتل المشركين و لكنه قد تحاور معهم ايضا ) , بالاضافة لتخوين المعارضة الوطنية و المستقلين و وصف كل صوت شاذ بالخيانة و العمالة و تهديده بالويل و الثبور و عظائم الامور
هذا كله جزء بسيط من الواقع اما المستقبل وسط كل هذا الزخم فهو مجرد سؤال يتبادر الى الذهن احيانا فيحيرنا , نحاول ان نبحث عن اجابة له ولكن بدون فائدة فكمثال لشخصي الضعيف فأنا لا املك الا ان ابتسم  ثم اهيم بوجهي ناحية السماء قائلا ( الله كريم ) و اتشبث ببصيص الامل المتبقي في امكانية هبة هذا الشعب و انتفاضه في ثورة عارمة تغير من هذا الواقع المريرشعب وصفه رئيسهم الراقص بشذاذ الافاق !!!!
الثورة خيار الشب ... حرية سلام و عدالة

الجمعة، 13 أبريل 2012

مقومات الحركة الإسلامية واستراتيجيتها

من كتاب الحركة الاسلامية و مسألة التغير

ان اسرائيل ومن ورائها لا يتحدثون بقوة السلاح ووفرة المال والرجال وانما بنمط حضاري يقدم لافراد تلك المجتمعات قدرا من الاتجاهات والمسالك تتيح لطاقاتهم ان تثمر وتنتج وتنبصر على كل المستويات، على حين ان العكس تماماً هوالذي يحدث في بلداننا. ومن ثم فما نحن في حاجة اليه ليس مجرد تقنيات نستوردها - كما يفكر في ذلك بعض فتيان السياسية في بلداننا - وانما ثورة تزودنا بعقلية حضارية وخلق حضاري وسلوك حضاري يستجيب لمكنوناتنا وحاجاتنا ويطلق طاقاتنا المعطلة ويعيد الحياة عن الاسلام والحركة الاسلامية.

ان البحث في الاسلام والنضال من أجله خاصة لدى جيلنا الذي ترزح روحه تحت وطأة الهزائم العسكرية وتسلط الانظمة الديكتاتورية والتبعية الثقافية والسياسية والفقر والذل والحرمان. هذا البحث وذلك النضال لا ينطلقان من منطلق معرفي هو اشباع الرغبة في المعرفة والاطلاع ولا من منطلق صوفي يستهدف البحث عن ملجأ أمين في الاسلام ينجي الفرد من القلق والحيرة وانما هي مشكلات الواقع المعيشي الحادة وفشل الحلول الغربية في الخروج بالامة من المأزق، ذلك هو المحرك الكبير في دفع الاجيال الى الاسلام وفي التزامه في صفوف الحركة الاسلامية. فما هي الحركة الاسلامية؟ وما هي الصفات المشتركة بين فصائلها؟ ما هي تقنياتها وأساليبها في تغيير المجتمعات؟ ما هو اسهامها في تجديد الفكر الاسلامي؟ وهل يمكن ان نتبين من خلال كل ذلك ملامح استراتيجية لحركة الاسلام في الغد؟

تجديد الدين

اود ان القي نظرة قبل ذلك على حركة التجديد في الاسلام: يقول الرسول - عليه الصلاة والسلام - «ان الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» - رواه او داؤود - لقد كان الانسان وسيبقى ابدا في حاجة الى النبوة لكي يفقه معنى وجوده وليستبين نهج حياته وليقوم بدور الخلافة وقد جاءت الرسالات تترى حتى نزلت آية (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) فكانت اعلانا صريحا بان الانسان قد تركز وانه قد فقه قانون السير الذي أراده الله لحياة البشر، فما عادت به حاجة الى ان يجلس الى جانبه باستمرار سائق حتى يقود سيارته. غير ان البشر تعرض لهم خلال مسيرتهم عوارض من الجهل بقانون السير او بطريقة تطبيقية ازاء حالات جديدة من التعقيد، فكانت الحاجة تدعو الى وجود رجال يعيدون للقانون نقاوته وينفون عنه ما التبس فيه من أوهام البشر وتجاربهم الناقصة ويعالجون على ضوئه ما يستجد من تطور الحياة ومشكلاتها - على ضوء النصوص الثابتة والغايات الكبرى الشرعية - مما يعيد للدين شبابه ويحفظ العلاقة بين المتطور والثابت، بين القرآن والزمان، وحتى يبقى القران قادراً ابداً على هداية البشر في طريق الخير والحق والعدل. وان خلود الاسلام وبقاء امته انما يرجعان الى أمرين:الاول: ما في طبيعة هذا الدين من مرونة وانسجام مع الطبيعة البشرية وقدرة على تلبية احتياجات الانسان مهما بلغ مستوى تطوره.الثاني: ان الله - عزوجل - قد تكفل بمنح الامة الاسلامية رجالا أكفاء أقوياء يرثون الانبياء ويقومون بمهمة تنقية الدين من الشوائب وتقديم الحلول لمشاكل العصر على ضوء مبادئ الدين.

نشأة الحركات الاسلامية الحديثة

لقد أسس النبي - عليه الصلاة والسلام - دولة كانت تجسيداً رائعاً لمبادئ الاسلام في العدل والحرية والاستقلال واستمرت هذه الدولة بعد وفاته تحت قيادة اصحابه، فرأت البشرية من خلالها آمالها ومثلها العليا وقد تحققت فدخل الناس في دين الله أفواجا مما أحدث بالاضافة الى ما جرته حروب الردة من خسائر في صفوف الاصحاب الكرام ما أسماه ابو الاعلى المودودي بحق: الانقلاب الخطير في مجرى التاريخ الاسلامي. اذ تسببت هذه الظاهرة في تقلص عدد المسلمين في الدنيا من ذلك النمط المثالي الرائع الذي كان مسلما حقا يطابق قوله فعله ومن جهة أخرى تصاعدت نسبة الذين هو وان كانوا قد دخلوا الاسلام اعجابا بمبادئه الا ان الناحية السلوكية واحيانا العقائدية فيهم لم تكم منطبعة كليا بطابع الاسلام. وهذه الظاهرة قادت الى انقلاب خطير اولى النكبات وهي التباعد التدريجي بين الدين والسياسة حتى لم يبق من الخلافة مع مرور الزمن الا رسمها - كما يقول ابن خلدون - وجاء الاستعمار الحديث ليهدم هذا الرسم ولتنشأ في العالم الاسلامي الدولة العلمانية والدولة الاشتراكية والدولة التي تزين دستورها بالاسلام.لقد أحدث سقوط الخلافة وما سبقه ولحقه من غزو استعماري صدمة عنيفة في شعور المسلم أيقظته من نومة الانحطاط وأزالت عنه الطمأنينة المزيفة التي كان يعيش عليها بأنه على كل حال هو من خير أمة أخرجت للناس. ومما زاد في هذه الصدمة واستفزاز شعور المسلم ما صاحب الحملة الصليبية على العالم الاسلامي من غزو ثقافي وتبشيري يجتث الثقافة الاسلامية من جذورها وينشئ جيلا من المسلمين منبتا عن جذوره مولعا بالمستمر - شأن المغلوب مع غالبه - فالعجب - والحال هذه - ان كان السؤال المطروح في العالم الاسلامي في أوائل هذه القرن: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وكان الجواب على نحوين منتاقضين لا يزالان حتى اليوم يقسمان العالم الاسلامي الى معسكرين متصارعين.

الجواب الاول: ان مشكل التخلف يكمن في الاسلام ذاته فلا بد من تطويره وتحويره حتى ينسجم مع الغرب فيلحق المسلمون بركب الامم المتقدمة وتطور هذا الجواب عند الماركسيين الى الدعوة الى التخلي عن الاسلام جملة ومحاربته ولذلك كانت ليبرالية طه حسين تمهيدا الماركسية لطف الخولي وعبد الله العروي.

الجواب الثاني: ان المشكل يكمن في المسلمين لا الاسلام. تخلى المسلمون عن الاسلام في صورته الحقيقية فحدث الانحطاط والحل حركة تجديد تمسح عن الاسلام غبار الانحطاط فيستعيد حيويته وقدرته القيادية على ايجاد مجتمعات اسلامية ليست متقدمة فحسب بل تمثل اعلى صور التقدم. واذا كان الاتجاه الاول قد تبلور في مجموعة من الحركات الوطنية والقومية والاشتراكية التي استمدت وتستمد صورها ومثلها من الغرب الرأسمالي والاشتراكي وهي التي حكمت العالم في مرحلة ما بعد الاستقلال وظهر فشلها واضحا في احداث نهضة في العالم الاسلامي بل اتجه المسلمون في ظل قيادتها الى مزيد من التبعية للغرب ومزيد من الهزائم العسكرية والاقتصادية والممارسات الديكتاتورية البشعة. فان الاتجاه الثاني قد عبر عن نفسه على لسان عدد من المفكرين والعلماء المجددين كالافغاني واقبال ومصطفى صبري والسوسي وابن باديس وتبلور وأخذ شكلا واضحا على يد الامام البنا والمودودي وقطب والخميني ممثلي اهم الاتجاهات الاسلامية في الحركة الاسلامية المعاصرة. وأخذ دور هذه الحركات - لا على المستوى المحلي بل على مستوى العالمي - يتنامى ويزداد. بالاضافة الى انها رغم انها تندرج في خطها العام في سياق حركة التجديد المتواصلة عبر التاريخ الاسلامي فان مفهومها للتجديد اخذ بعدا جديدا هو التأسيس أي اعادة البناء من الاساس، ذلك انه طالما بقيت الدولة الاسلامية قائمة ولو في شكلها الانحطاطي فان عمل المجددين كان عبارة عن عملية اصلاح وترميم وتقويم للمعوج ونبذ للدخيل على الاسلام، وفي هذا الاطار كان عمل ابن حزم وابن تيمية. اما والبناء قد سقط جملة وأصبح الاسلام غير معترف له بالحاكمية والسلطان لزم ان يكون التجديد لا اصلاحا بل تأسيسا. وما نشهده اليوم على ساحة العالم الاسلامي هو تجديد من هذا النوع، فقد سقط المجتمع الاسلامي القديم وانتهت بذلك دورة من دورات الاسلام الحضاري، واليوم يبدأ الاسلام مع نجاح الثورة في ايران وباكستان دورة حضارية جديدة.

ماذا نعني بمصطلح الحركة الاسلامية؟

ان للدعوة للاسلام والتحرك به أساليب واتجاهات كثيرة كالوعظ والارشاد ونشر العلم والتربية على العبادة والذكر وانشاء مؤسسات صحية وثقافية وللخدمات الاجتماعية ولكن الذي عنينا من بين ذلك الاتجاه الذي ينطلق من مفهوم الاسلام الشامل مستهدفا اقامة المجتمع المسلم والدولة الاسلامية على أساس ذلك التصور الشامل وهذا المفهوم ينطبق اكثر ما ينطبق على ثلاث اتجاهات كبرى: الاخوان المسلمون، الجماعة الاسلامية بباكستان وحركة الامام الخميني في ايران. وما تبقى من اتجاهات اسلامية اما هو تابع بشكل او آخر لاحد هذه الاتجاهات او هو مبتدئ لم يتبلور بعد، أو انه قاصر عمله على جزئية من جزئيات الاسلام والعمل الاسلامي كالوعظ والدعوة والارشاد والتربية والذكر.مقومات الحركة الاسلاميةما هي أهم العناصر التي تشكل ماهية الحركة الاسلامية؟

1- الشمول:اول هذه المقومات فكرة الشمول: فالاسلام في هذه الاتجاهات الثلاثة يؤخذ على انه كل مترابط، كل جزئية فيه ترتبط بغيرها فالعقيدة والشريعة والعبادة كل متكامل ومن ثم لا مجال للتفريق بين الدين والسياسة والدين والدولة. والنصوص الصادرة عن كل هذه الاتجاهات كثيرة اكتفي بنص للامام الخميني يقول فيه: «ان اول واجبات الفقيه العارف بأحكام الشرعية هو النهضة والقيادة من أجل اعلاء كلمة الله في الارض والجهاد المستمر لتطهير أرض الله من اعداء الله - عزوجل - عرفوا الناس بحقيقية الاسلام حتى لا يظن جيل الشباب ان أهل العلوم في زوايا النجف يرون فصل الدين عن السياسة وانهم لا يمارسون سوى دراسة الحيض والنفاس ولا شأن لهم في السياسة.
ان النضال السياسي واجب وطني». ومن نتائج فكرة الشمول هذه العمل على تكوين دولة اسلامية. ولقد بذلت الاتجاهات الاسلامية الثلاثة جهودا جبارة لتحقيق هذا الهدف ومن فروع النظرة الشمولية للاسلام اعتبار المسلمين كلهم ما بينهم من خلافات كيانا واحدا فرقته أحداث الزمان، وفرض على المسلمين بعث الكيان الدولي للاسلام.
ومن أبعاد فكرة الشمول - أيضا - الاهتمام بالقضية الاقتصادية والاجتماعية. يقول الامام الهضيبي: «يجب على ولي الامر ان يساعد الناس على ايجاد اعمل لهم يتعهدهم حتى يصلح حالهم. فاذا كان دخل الانسان لايكفيه وكان غير قادر على العمل فهو في كفالة الدولة. فان لم تكف الزكاء لسد حاجات الفقراء أصبح فرضا على كل من عنده فضل من المال ان يعود به على الفقراء فاذا منع الفقير حقه فاز له ان يقاتل عليه».

2- القضية الوطنية:ومن هذه المقومات الاهتمام بالقضية الوطنية. انه لا تناقض في نظر الحركة الاسلامية بين العالمية والوطنية اذ الوطنية هي منطلق العالمية، وان عناية المسلم باصلاح وطنه واجب ديني، اذ كلما تقدم هذا الوطن الا واصبح اقدر على اعانة الاوطان الاسلامية الاخرى والناس حيثما كانوا. يقول المودودي: «ان الجماعة الاسلامية ليست بجماعة تستهدف القومية الوطنيد ولا تقتصر دعوتها على امة بعينها ووطن بعينه بل الدعوة التي ترفعها عالمية الاهداف، غير ان الجماعة تؤمن اننا معشر المسلمين في باكستان ما دمنا لا نجعل بلادنا مثلا حيا للنظام الاسلامي فاننا لا نقدر على اقناع الناس بسلامة هذه العقيدة».فالمسلم اذا وطني وليس اولى منه بهذه الصفة لانه الامتداد الحقيقي لثقافة الوطن وأمجاده وغيرهم من لا يحملون دعوة الاسلام هم غرباء عن هذا الوطن بل هم بقايا تركها المستعمر بعد انسحابه.

3- السلفية:ومن مقومات هذه الحركة السلفية ونعني بها استمداد الاسلام من أصوله دون تعصب لما وجد في تاريخ الاسلام من نظريات واجتهادات. فالاصل ما ورد في الكتاب والسنة وعصر الخلفاء. يقول البنا: «وتستطيع ان تقول ولاحرج عليك ان الاخوان المسلمين دعوة سلفية لانهم يدعون الى العودة بالاسلام الى معينه الصافي كتاب الله وسنة رسوله».ويقول الامام الخميني عندما سئل عن نظام الحكم الذي يسعى اليه هو سني ام هو شيعي؟ فأجاب: «اننا نريد ان نحكم بالاسلام كما نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - لا فرق بين السنة والشعية لان المذاهب لم تكن موجودة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». ومن ثم فان تهمة الوهابية ظلت تلاحق الحركة الاسلامية في كل مكان مما جعل الامام الخميني يندد بأولئك الذين لا شغل لهم الا بالجزئيات واتهام فلانا بكذا او آخر بكذا. يقول: «هنالك أجهزة معروفة تسعى لاثارة الضجة حول مسائل ثانوية فعلى سبيل المثال يضيعون مناسبات ثمينة وفرصا غالية في الحديث عن ان زيدا من الناس كافر، ان فلانا مرتد او ان فلانا وهابي المذهب وذلك بسبب عمل الحركة الاسلامية في ايران المتواصل ضد التراث البدعي الذي ورثوه وورثنا جميعاً عن عصر الانحطاط». ولا تعني السلفية هن كما هي عند البعض حربا على المذاهب الفقهية او العقيدية. كلا! فهذا تمزيق لكيان الامة وانما السلفية تعني اولا: التحري في معرفة حكم الله من الكتاب والسنة قدر المستطاع. ثانياً: عدم التعصب للمذهب والاشتغال بالدعوة اليه حتى يصبح المذهب بديلا عن الاسلام دون التسامح مع المخالف، واعتبار أخوة الاسلام فوق أخوة كل فرقة وكل مذهب. ويلحق بالمعنى السلفي تجميع المسلمين حول ما هو معلوم من الدين بالضرورة ابعاداً للخلاف وتوحيدا للصفوف حسب القاعدة: «تتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه».

4- البعد الايماني:ومن مقومات الحركة الاسلامية البعد الايماني أي ان الحركة الاسلامية تؤكد في تربيتها على ضرورة الاخذ بالاسباب ولكن مع الاعتقاد بان هذه الاسباب لا تؤدي الى نتائجها الا باذن الله.

5- الشعبية:ومن مقومات الحركة الاسلامية ايضا الشعبية وهي ان الحركة الاسلامية ليست حركة فئة معينة أو طريقة صوفية تحصر عملها في مجموعة المريدين. انها ضمير الامة المتحرك وأعماقها الثائرة. ومن ثم فهي ترفض مقولة الصراع الطبقي وتعتبر ان الاسلام - والاسلام وحده قادر على ازالة كل ألوان الظلم والاستغلال داخل المجتمع الاسلامي ولكن في مجتمع لا يطبق الاسلام حقيقة تتولد الفوارق الطبقية والحركة الاسلامية عندئذ تجد نفسها منحازة الى صفوف الفقراة بأمر من الله (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا). (عبس وتولى ان جاءه الاعمى…). «اللهم احيني مسكينا وامتني مسكينا واحشرني من زمرة المساكين». فحتم على الحركة الاسلامية ان تحشر نفسها في زمرة المساكين.ولقد استطاعت الحركة الاسلامية المعاصرة ان تحرر - الى حد ما - الاسلام من الطبقة الحاكمة، والاسلام يتحول كل يوم وفي اكثر من بلد من ان يكون ملكا لحاكم لان يكون ملكا لشعب، والذي حدث في ايران هو تسلم الجماهير للاسلام. لقد بدأت في ايران عملية لعلها من أهم ما يمكن ان يطرأ في مسيرة حركات التحرر في المنطقة كلها وهي تحرر الاسلام من هيمنة السلطات العاملة على استخدامه في وجد المد الثوري في المنطقة.

من انجازات الحركة الاسلامية

لقد ورثت الحركة الاسلامية تركه ثقيلة من عصر الانحطاط: جمود وعطالة في الفكر ونمط فردي قبلي ديكتاتوري من الحضارة زاده الغزو الفكري ثقلا. ورغم ذلك فقد استطاعت الحركة الاسلامية بفضل الله بعد جهاد طويل خلال ربع قرن من الزمان ان تنفض عن الاسلام غبار عصر الانحطاط وان تحرره من هيمنة ثقافة الغرب وان تقدم للامة عنه تصورا شاملا تتجاور وتتناسق فيه الجوانب السلوكية والعقائدية والاجتماعية. كما استطاعت ان تنزل بهذا التصور الشامل ساحة المعركة على المستوى الشعبي تناضل ضد الخرافة والبدع. تناضل على مستوى المراكز الثقافية التي أقطعها الغرب تلامذته فاحتكروا سلطة القيادة والتوجيه فيها. نزلت العناصر الاسلامة هذا الميدان فأقبلت خير البلاء واستطاعت بعد كفاح مرير ان تنقذ جانبا كبيرا من هذه الجيل من بين براثن الغرب وبراثن الانحطاط وتسلمت الحركة الاسلامية اليوم في أغلب الجامعات في العالم الاسلامي على المستوى الطلابي - على الاقل - مراكز القيادة واجتماعنا هنا في ظل هذه المؤسسة المباركة هو ثمرة لهذا الجهاد الطويل خاضته الحركة الاسلامية في السودان. ولو شئنا ان نستمر في رصد مكاسب الحركة الاسلامية المعاصرة على المستوى الفكري او مستوى الحركة لطال بنا الحديث، ويكفي لاخذ فكرة عن هذه الانجازات ان نعلم ايها الاخوة الكرام ان الخلافة العثمانية في القرن التاسع عشر استبدلت القوانين الاسلامية بقوانين غربية فيما يسمى بالتنظيمات كما فعل باي تونس نفس الشيء سنة 1964م دون ان تحرك المؤسسات الدينة ساكنا لا بسبب جبن وانما لانعدام الوعي بأن تلك القوانين تمثل جوهرا في الاسلام.اما على المستوى التعبدي الشعبي فلا تزال بعض الصور الانحطاطية قائمة في بلداننا حتى اليوم وعلى المستوى الثقافية فقد كان الخيار امام المثقفين في أوائل هذا القرن حاسما بين الاسلام والرضي بالجهل والتخلف او العلم مع ما يصحبه حتما من تحلل والحاد.

المشكلة الكبرى للحركات الاسلامية

قلت ان التهوين من انجازات الحركة الاسلامية خاصة من طرف هذا الجيل الذي فتح عينيه على مفاهيم اسلامية ناضجة وأساليب في التربية والتوعية وعلى جماعة اسلامية مناضلة لهو من أخطر مايمكن ان تصاب به الحركة الاسلامية ولكن على نفس المستوى فان اقبال الجموع الكبيرة عليها سيطرح امامها سؤالا هاما: ماذا ستفعل بهذه الجموع المقبلة عليها؟ كيف ستوظفها في خطة التغيير في الخطة الحضارية؟ حتى لايعدو عملها - كما يقول المرحوم مالك ابن نبي وهو يتحدث عن عمل الانسان المتخلف - الجمع والتكثير. ومعلوم ان أكوام من الحجارة مهما كثرت ان تصنع بناءا ما لم تدرج ضمن خطة مسبقة، ومن هنا ظل العمل الاسلامي في حالة سماها فتحي يكن حالة التكامل والتآكل: كلما ارتفع البناء قليلاً وابتهجنا بأنه اوشك ان يكتمل انهار لاول دفعة من يد قوية، بل أحيانا يسقط من تلقاء رد فعل عدم تماسكه الداخلي.ان حال العمل الاسلامي هذه يشبه حال التقنية القديمة. لقد كانت التقنية القديمة تقوم على مجرد التجربة. ان الفرق بين التقليدي والمهندس هو ان البناء التقليدي يبدأ عملية البناء وفقا لفكرة مسبقة غير مدروسة عن نوع البناء الذي يريد فان سقط البناء اعادة على نحو آخر حتى يستقر. اما مهندس البناء فيبني البيت في رأسه قبل ان يجهزه في الواقع، يبينه كفكرة ثم يجسم تلك الفكرة على الورق مقالا وفق حسابات هندسية، فاذا استقر البناء الهندسي على الورق انتقل يجسده على الواقع مستندا الى علم الهندسة. وبذلك تغدو التقنية كما هي في الواقع تطبيقا للعلم، ويوفر الانسان على نفسه جهودا كثيرة. اما النباؤون المسلمون فلا يزالون مجرد رجال تقنية وهم في أحسن أحوالهم يمارسون تجربة المحاولة والخطؤ هذا في أفضل احوالهم اما في حالات اخرى فهم على تكرار اخطائهم ماضون دائبون وذلك راجع الى العطالة التي أصابت عقل المسلم فما عاد يفقه في أبعاده ولا الواقع في معقداته ولا السبيل الى النقل الاسلام الى الواقع ولا الارتفاع بالواقع الى الاسلام. ان عقل المسلم ظل قرونا طويلة مترنحا بين سكرة نواسية وشطحة حلاجية فاذا أفاق منها عالجته بطشة حجاجية. وان آثار هذه السكرة لا تزال عالقة تغشي الابصار وتمنع الرؤية الصحيحة والتخطيط العلمي على ضوء المعطيات الواقعية.

الاستراتيجية والتغيير الحضاري

انه على حين حشدت كل الاطراف السياسية خطتها للتغيير بدأ الاسلاميون يكدسون ولا ينبون. انه لمكسب عظيم ان تربي الشباب الصالح في مجتمع يزخر بالاغراءات ولكن هذه التربية نفسها ينبغي ان لا تكون معزولة عن استراتيجة الحركة الاسلامية في التغيير في المجتمع. ان في جسد المجتمع كما في جسد الفرد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد كله، ولقد حدد القوميون هذه المضغة فعمدوا الى الجيش يكثفون فيه نشاطهم حتى بلغوا مراكز قيادية فيه انطلقوا منها للسيطرة على المجتمع كله. وحدد الشيوعيون هذه المضغة فانطلقوا الى النقابات خاصة وجعلوها مكانا لعملهم يجندون الطبقة العاملة ويوهنون السلطة حتى تضعف فينقضوا عليها وينقضوا على المتجتمع كله. بينما الحركة الاسلامية لم تحدد بعد هذه المضغة الاجتماعية وظلت توزع جهودها على كل المستويات فتبقى ضعيفة في كل المستويات. لا تقود أفرادها وانما تتبعهم من وراء المطلبة - مثلا - المنتمين اليها اختيارات وتخصصات محددة لخدمة خطتها لانها ليست لها خطة وآية ذلك ما ترى عليه الاسلاميين من اقبال على الكليات العلمية والتخصصات الطبية والهندسية، لسبب واحد هو الاغراءات المالية التي تقدمها للخريجين وتضاءلت بذلك العناصر الاسلامية في الكليات الانسانية والتخصصات العسكرية. والنتيجة ان العناصر الاسلامية آل أمرها الى ان تعمل عناصر تنفيذ نبني السدود والمشاريع الزراعية وتداوي مرضى الخصوم. ونفذت العناصر القومية والشيوعية الى مراكز القيادة السياسية والثقافية في مجتمعاتنا حتى ان الصحف الاسلامية تعاني عجزا كبيرا في المحررين ورجال الاعلام.بعد نصف قرن من العمل الاسلامي انتج رجالا صالحين ولكنهم محدودو الفعالية بل هم أعوان في ادارة الدواليب التي يعارضونها. ينجحون في عملهم المهني بقدر ما يفشلون في دعوتهم. وليست في هذا - ابدا - دعوة لشعارات فقدت دورها كشعار مفاصلة الجاهلية والهجرة والتكفير، وانما هذا تشخيص لواقعنا المؤلم. لقد فشل العقل المسلم في الحركة الاسلامية في فهم واقعه والتخطيط له بسبب ما ران من غبار عصر الانحطاط ومخاوف الحاضر وبسبب ردود الافعال فانفصل بذلك عن الواقع واستمر انفصال الدين عن الحياة في مجتمعاتنا وانفصال الدين عن السياسية والتأثير والمشاركة في توجيهها رغم ان الحركة الاسلامية بدأت رفض الفصل بين الدين والدولة. باختصار لا مناص للعمل الاسلامي من تنظير لاستراتيجية تخرج بالحركة والامة من الدوامة وتستجيب للتحديات الكبرى التي تواجه المنطقة. اكتفي هنا في هذه العجالة بتقديم مبادئ ضرورية في وضع هذه الاستراتيجية، هي مجرد توصيات وليست خطة، هي مجرد معطيات لابد من توفرها ووضعها في الحساب.

مبادئ اساسية في استراتيجية العمل الاسلامي

أولا: لابد من تحديد موقفنا من التراث، ماذا نأخذ منه وماذا نترك؟ ما هو ملزم لنا وما هو غير ملزم؟ ما هي القيم الايجابية الباقية من تراثنا لنحتفظ بها؟ وما هي القيم السلبية؟ بعيدا عن موقفي التقديس والاحتقار.

ثانياً: لابد من تحديد موقفنا من الغرب. هل هو سلسلة من الاخطاء والاباطيل والارتكابات - كما يجتهد الاسلاميون في تصويره وانه بين قاب قوسين او ادنى من الانهيار - وكأنهم يريدون ان يبشرونا بوراثتنا له، مع انه حتى وان سقط الغرب فانه ليس بالضرورة ان نكون نحن الوارثين لانه يرث الارض اصلح من فيها. فهل نحن اصلح من فيها الآن؟ واذا كان الغرب سلسلة من الاخطاء فكيف استطاع ان يفرض هيمنته قرونا طويلة على العالم؟ هل يرتفع على الباطل بنيان؟ كلا! وهل الغرب مقابل ذلك المثل الاعلى للمدنية؟ هل هو النموذج الصالح للتطبيق في كل زمان ومكان مهما اختلفت الظروف؟ ماذا نأخذ من الغرب وماذا نترك؟ هل نستفيد ما ألح الاسلاميون على استعارة تقنياته مع رفض كل قيمه وتنظيماته ومؤسساته؟ وحتى لو كان هذا ممكنا نظريا - قالوا: وممكن عمليا - هل هو صالح لنا؟ أليس في تنظيمات الغرب الادارية والسياسية وعلومه الاجتماعية ما يمكن ان نحرره من اطاره المادي ونضعفه في سياق حضاري اسلامي كما فعل اسلافنا مع كثير من المعابد الفارسية والرومانية التي هدموها ولكنهم سكبوا احجارها في بناءات اخرى بعضها مساجد لا نزال نستظل بها حتى الآن.

ثالثا: تجديد نظرتنا الى واقعنا بعيدا عن فكرة مسبقة. هو جاهلي ام هو اسلامي؟ والسلطة التي تحكمه كذلك وفئاته وتجمعاته السياسية والدينية: نتعاون معها ام نفاصلها؟ ما هو الحد الادنى الذي يمكننا ان نلتقي فيه مع كل التجمعات الدينية والسياسية؟

رابعا: ما هي ادارة التغيير؟ القوة والاكراه ام الحرية والاقناع؟ هل نؤيد الانقلابيين في العالم الاسلامي ام نعتبرهم غاصبين انتهازيين؟ هل نمد اليهم ايدينا اذا ما فعلوا ذلك ام نعتبر ان شر ما تبتلي به أمة على الاطلاق النظام العسكري. وان الانقلابي - كل انقلابي - رجل مغرور يقفز الى السلطة في حالة غفلة من الوعي من الشعب فيستبد بالامر دون الناس جميعا، ويحيط نفسه بكل منافق لئيم. يصفقون له حتى يخيل اليه انه آتي بما لم يأت به الاوائل وان الدهر لم يجد بمثله. ويعتبر نفسه الزعيم المنقذ، بل حكيما من الحكماء. بل حكم بين الحكماء. ام نعتبر ان الشعب بعد الله هو السلطة العليا في المجتمع فلا حق لاحد في ان يكون وصيا عليه لانه ليس طفلا ولا سفيها بل هو خليفة الله في أرضه مصرين على ان الجهاد من اجل الحرية هو جهاد من أجل الاسلام. وان من حق كل التجمعات السياسية ان تتكتل لاستعادة الحرية المغتصبة. المؤودة في العالم الاسلامي؟
اننا ينبغي ان نرفض الديكتاتورية في كل أشكالها ولو مارسها مسلم يدعي انه يريد ان يحمل الناس على الاسلام. اذ قد أباها الله حتى على انبيائه، فكيف نجيزها نحن للعساكر المغرورين؟ (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).
فاذا تحقق لنا نظام يعترف بالحريات العامة فينبغي على الحركة الاسلامية ان تمارس حقها كطرف سياسي معرتفة بغيرها من الاطراف السياسية الاخرى مقدمة اختياراتها للنموذج الاجتماعي الذي تريد. فتخوض المعارك الانتخابية وتضع مواطن أقدام لها في البرلمان ومؤسسات المجتمع كالبلديات وتشارك في الحكم ولو جزئيا لتدريب أفرادها على ادارة المؤسسات وعلى قيادة الجماهير وتعبئتها وتوعيتها بأهداف الحركة الاسلامية. اذ المجتمع الاسلامي لم ينزل من السماء مكتسلا ولا سقط في يوم انما بني حجرا حجرا وسقط حجرا حجرا. هكذا اعادة البناء. وفي هذه الحالة اذ تعترف الحركة الاسلامية بالشرعية القانونية للدولة على اعتبار انها مختارة من الشعب فانها ما دامت هذه الدولة لاتحكم بالاسلام لا نعترف لها بالشرعية الدينية حتى يكون الدين هو قاعدة المجتمع والتشريع وهنا ينبغي الحذر من ان يظن الشعن ان السلطة غدت اسلامية لمجرد مشاركة بعض الاسلاميين في أجهزتها.
اما اذا كانت السلطة تستظل بارادة الشعب فالحركة - في رأيي - لا ينبغي ان تترك أي لبس في ذهن الشعب من هذه السلطة لا هي اسلامية ولا هي قانونية ما دامت لا تسمح للشعب في التعبير عن ارادته وحريته في التجمع. وعندئذ فليس امام الحركة الاسلامية الا الثورة الشعبية التي تنتهي بتكتيل الشعب صفا واحدا في وجه السلطة الجائرءة كما حدث في ايران او الثورة المسلحة التي تدفع الشعب لحمل السلاح في وجه السلطة الجائرة كما حدث في أفغانستان ولعله بدأ يحدث في سوريا. فهناك اذن ثلاث طرق واضحة للوصول الى الحكم كلها الشعب أداتها: الحل الديمقراطي. الثورة الشعبية والثورة المسلحة. وحل آخر أداته العسكر ما أحسب انه ينسجم مع قيم الاسلام الذي اعتبر الجهاد من أجل الحرة على رأس اهداف جهاده الدائم.

خامسا: الدعوة للاسلام من خلال حاجات الناس وهمومهم، وأهم هذه الحاجات والمطامح التحرر من كل تبعية للاستعمار بكل أشكاله والتحرر من الانظمة الاستبدادية في الداخل وتحقيق العدالة الاجتماعية. فيجب ان نربط ربط اقتران بين الاسلام وحاجات شعوبنا حتى تستيقن هذه الشعوب ان نضالها من أجل الاسلام هو نضال من أجل آمالها ومطامحها. ذلك ان الحركة لا تنتصر في مجتمع الا اذا جسدت آماله. وان الحركة الاسلامية حين حالفها النجاح بسبب تصديها لاعداء الامة، وانما تزحزحت عن مركز القيادة في أوقات اخرى بسبب موقفها غير الواضح من الهموم الكبرى للامة وممالاتها للسلطان الجائر. ولقد آن للحركة الاسلامية ان تغادر مواطن الحذر والتردد وتلتحم بضمير الشعب وقضاياه معتمدة على ربها ثم على رصيدها الشعبي.

سادسا: التربية المتكاملة على المستوى الفكري: تنمية الروح النقدية والموضوعية في الحكم ومحبة الحق والاذعان له حتى بكون الولاء للفكرة لا للشخص ومحبة العلم وتوقير العلماء دون تعصب وتبنى الخطأ في أحدهم فكل ابن آدم خطأ والحكمة ضالة المؤمن، فنتحرر بذلك من العقلية المانوية التي تعتبر ان الاشياء اما خير مطلق واما شر مطلق. وعلى مستوى التربية الروحية: نوثق صلات الفرد بربه وتفكره في لقائه والاستعداد ليوم الميعاد وهي من أوجب واجبات الحركة الاسلامية في عصر طغت في المادية واستفحلت الشهوات مما جعل بناءنا الحركي مهما سمى على جرف هاو. فلا مناص من اعتبار التقوى اسمى قيم الاسلام والميزان الاول الذي يوزن به الافرداد مهما كانت صفاتهم وبذلك نقلل من امكانية الانحراف ويرتفع مستوى تضحية الافراد بأموالهم وأوقاتهم وأرواحهم وتغدو الشهادة اسمى اماني المسلم وتجنب الافراد الامراض النفسية كالكبر والغرور والنفاق وحب الظهور والرياء والجدل، ولكم فتكت هذه الامراض بجسم الحركة.

سابعا: ومن هذه المبادئ العالمية في الحركة الاسلامية تحقيقا لمبدأ التوحيد وهو أساس العقائد الاسلامية وارضاء للرب، فضلا عن ان العالمية هي روح العصر بدلا عن فكرة القومية والوطنية - التي سادت في القرن التاسع عشر في اوربا - مما يجعل الداعين الى الاسلام ليسوا على انسجام لا مع دينهم ولا مع عصرهم. والعالمية في العمل الاسلامي ليست البديل للوطنية فانما هي معنى يضاف اليها ويكملها ويثريها. ان العمل الاسلامي العالمي رمز لوحدة الامة وهي تعوض للخلافة وقتيا وهو اطار لتبادل التجارب والخبرات ورسم للسياسات الاسلامية الكبرى دون مس بالتجارب المحلية فأهل مكة أدرى بشعابها. ولماذا يكون لليهودي وكالة يهودية عالمية ويكون للمسيحي المجمع الكنائسي العالمي وللشيوعية المؤتمر الشيوعي العالمي وللاوربيين البرلمان الاوربي والسوق الاوربية المشتركة وللعرب الجامعة العربية ولا يكون للعاملين للاسلام مؤسسة عالمية الا ان نكون متخلفين عن ديننا وعصرنا.

ثامنا: اعتماد التخطيط وهو روح العصر والكم مبدأ اساسي في التخطيط وكثير ما يهمل طريقة القياس الكمي وتلغى برفع شعار: المهم الكيف لا الكلم، مع ان احدى اهم خصائص عصرنا - خصائص العلم الحديث - تحويل الكيف الى كم، الى مقدار قابل للقياس. والقرآن يعتبر الكم مبدأ اساسياً في بنية الكون (وكل شيء عنده بمقدار) وحيث لا وجود للقياس الكمي تغدو عملية تقييم عملنا ومحاسبة انفسنا شبه مستحيلة ولا ينبغي ان ينسينا التخطيط أبدا انه بغير مدد من الله يأتينا وتثبيت منه وتوفيق فلن نكون شيئا.ومما يجب مراعاته في التخطيط في تجاوز التحديات ايجاد مجالات لتفريغ طاقات الشباب الذين تملأهم الحركة بالحماس، لانه ان لم توجد هذه المجالات تعرضت الحركة لكثير من الانحرافات وليست ظاهرة التكفير والهجرة الا نتيجة لعمل اسلامي لم يوجد مجالات للتغيير في المجتمع كالنهر المتدفق الذي ينساب في جوانب مختلفة اذا لم يشق طريقه امامه.
ومن هذه العوامل اعتبار عامل الزمن اساسا في حركتنا فلابد للحركة ان تطور نفسها باستمرار. ومنها ايضا الواقعية: ونعني بها تقدير امكانياتنا وامكانيات خصومنا والتخلص من وسواس التآمر الذي تصاب به الحركة الاسلامية فتتحيل ان العالم كله يتآمر عليه يحسبون كل صيحة عليهم. صحيح ان العالم يكرهنا ولكن السياسات لاتبنى على المبادئ فقط، وانا تبنى على المصالح وليس من المستحيل ان تلتقي مصالحنا في خطوة في الطريق حتى مصالح اعدائنا.ان نعيد للجماهير الوعي والسلطة وان نخطط لكل طاقات المسلمين وان اختلفوا معنا في الرأي. ضرورة التسلح بالجرأة والشجاعة للدخول على العالم الحديث ومؤسساته كالتمثيل والسينما لنحررها بدل الهروب منها ربنا يقول (ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون).
ان التحدي الخطير ايها الاخوة هو: هل نستطيع ان نعيش في العالم الحديث محافظين على اسلامنا؟ لقد بذلت الحركة الاسلامية جهدا كبيرا في اقناع الامة بالتوافق بين دينها والعلم الحديث ونجحت في ذلك الى حد كبير. لقد استطاعت في عالم ملوث ان تربي شبابا طاهرين. لقد استطاعت الى حد كبير ان تقضي على شعار الفصل بين الدين والدولة ولكن التحدي الخطير كيف نستطيع ان نروض عصرنا؟ ان نصب ونذيب ثقافة العصر في كل اطار الاسلام فيرى الناس الاسلام مجسدا في نظريات وتطبيقات في الاقتصاد والفن والمسرح ويعبر الاسلام عن نفسه ازاء العالم لا بالرد فقط بل بتقديم البديل وبذلك ينتقل الاسلام من كونه دينا لفرد او فئة الى كونه حضارة شعب وأمة وطريقها الوحيد الى العزة والعدالة والحرية ولقد استطاعت الحركة الاسلامية ان توجد رأيا عاما مواليا للاسلام ولكن هل تستطيع الحركة الاسلامية ان تقود هذه الجماهير وتتبنى قضاياها وتحول بين جمعيات بدأت تتكون يمكن ان نسميها جمعيات المتستفيدين من الاسلام، اولئك الذين اخذوا دون سابق عهد وكانوا بالامس في صف العدو اخذوا يرفعون الشعارات الاسلامية كالاخذ بالتشريعات الاسلامية وتطبيق الاسلام. هذا تحد آخر وهو محاولة من القوة المضادة لتوجيه النصر الكبير الذي أوجدته الحركة الاسلامية توجيهه الى مسارات خاطئة ثم تضييعه في الطريق.خاتمةولا يفوتني في الاخير ايها الاخوة الكرام ان اعتذر عن تقصيري في الاحاطة بهذا الموضوع فهو أكبر من ان يتناوله مبتدئ مثلي، ولكن ان كنت نبهت عن أهميته فقد بلغت ما أريد. وكثير من المسائل التي ذكرتها هي من قبيل تحصيل الحاصل بالنسبة للحركة الاسلامية في السودان التي نعقد عليها آمالا كبيرة بالنسبة لهذه المنطقة خاصة في ان تكون المضغة التي ينطلق من صلاحها الجسم كله، ويؤيد ذلك ما يراه مالك بن نبي من ان جانبا كبيرا من الشعوب الاسلامية قد دخل الحضارة ثم خرج، ومن الصعب ان يعاد شعب الى الحضارة بعد ان خرج. وان المجتمع السوداني لا يزال مجتمعا بكرا. اما الحركة الاسلامية في السودان فلها من تجاربها وموقعها بالنسبة لافريقيا وآسيا وتاريخها الجهادي الطويل ووعي افرادها وقادتها ما يرشحها - اذا أحسنت التعامل مع جيرانها - لان تكون اول استجابة ناجحة للتحديات الكبرى المطروحة في المنطقة. لقد أبحرت سفينتكم أيها الاخوة فلا يلتفت منكم احد الى دنيا يصيبها او شهوة يشبعها وامضوا حيث تؤمرون الى جهاد متواصل، الى جنة عرضها السموات والارض وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الاستاذ راشد الغنوشي

الأحد، 5 فبراير 2012

امريكا و المؤتمر الوطني , فضيحة القرن

صرح وزير الاعلام السوداني و القيادي في المؤتمر الوطني عبد الله مسار في لقائه جمعه مع وزير الاعلام بدولة الجنوب مع الجزيرة مباشر قبل قليل فقط بمسؤولية الحكومة و الحزب الحاكم عن فصل الجنوب  , حيث قال ( نحنا الفصلنا الجنوب , و كان المفروض يعاملونا بالحسنى ) يأتي  هذا التصريح كدليل اضافي اخرعلى ان موافقة الحزب الحاكم على فصل الجنوب بتضمين الاتفاقية حق تقرير المصير للجنوبيين لم يأتي لمقتضيات الامن القومي السوداني و الحاجة او المصلحة الوطنية  , بل اتي ليؤكد ما ذهب اليه معظم المارقبون ان السودان تعرض لعملية غش كبيرة , خاصة من الولايات المتحدة التي وعدت حكومة المؤتمر الوطني برفع العقوبات و تطبيع العلاقات و فك عزلتها الديبلوماسية و الاقتصادية  و كلنا نتذكر الزيارات الماكوكية المتتالية التي كان يقوم بها المبعوثين الخاصين للبيت الابيض و نظرائهم الاوربيين الي الخرطوم قبل توقيع الاتفاقية  مقدمين تلك الوعود للخرطوم و لحث الحكومة على الموافقة على تضمين حق تقرير المصير في الاتفاقية و من ثم كثرة الزيارات ايضا ابان المرحلة الانتقالية و قبل الاستفتاء في محاولة ايضا لتشجيع الحكومة على تسهيل الاستفتاء  ,و على ما يبدوا سال لعاب سياسي المؤتمر الوطني السزج لتلك الوعود الواهية الخالية المضمون و حلموا بربيع علاقات مميزة مع اليانكي , و لكن كانت الصدمة ليست ببعيدة فبعد الانفصال لم يتحقق شئ من تلك الوعود التي قدمتها امريكا و شركائها الاوربيين للحكومة فانقلبت الزيارات الماكوكية لتصبح من الخرطوم في اتجاه الولايات المتحدة بحثا عن السراب , و كلنا  يتذكر النشاط المفاجئ للديبلوماسية السودانية بعد الانفصال و كثرة الزيارات التي قام بها كل من وزير الخارجية كرتي و (اوغلو السودان) مصطفي عثمان  اسماعيل  للولايات المتحدة و فرنسا , ليتضح ان كل تلك الوعود زهبت ادراج الرياح و لتتضح السزاجة التي يتمتع بها سياسيونا و لنصبح الدولة التي تتعرض لاكبر عملية خداع و سرقة سياسية في التاريخ
    
           تحليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل

السبت، 4 فبراير 2012

المستعمرات الخليجية VS صخرة الديبلوماسية السورية

بعد ايام من المداولات و محاولة اقناع روسيا , فشل مجلس الامن في تمرير مشروع القرار العربي الغربي الذي يهدف لدعم المبادرة العربية و لادانة سوريا و حثها على و قف العنف بعد ان استخدمت كل من روسيا و الصين حق النقض الفيتو .
بعد قرون من اليأس الذي اصابنا من مجلس الامن و لاول مرة في ظرف اقل من اربعة اشهر 2 فيتو مزدوج لصالح دولة عربية , بعد ان احتكرت الولايات المتحدة هذا الحق لاجهاض المشاريع العربية و اعاقة تسوية الصراع العربي الاسرائيلي و دعما لمصالحها
نجد لاول مرة تكتوي الولايات المتحدة بالسلاح الذي طالما اشهرته في وجه خصومها , محطمة جميع القرارات التي لا تلبي مصالحها و مصالح حلفائها و لو كانت تلك القرارات مدعومة باغلبية العضاء
الفيتو المزدوج الروسي و الصيني اليوم (افرحني) كثيرا , و بغض النظر عن كون الاسد دكتاتورا و سفاحا فالسؤال الذي يطرح نفسه هل صحيح ان الدول الغربية و العربية الخليجية و التي لا تمتلك معظمها دستورا او برلمانا منتخبا او نظاما اساسيا بل لا تمتلك حتي نقابات مهنية و منظمات مجتمع مدني , هل من المنطقي ان دول كهذه هي التي تسعي لنشر الاصلاح و الديمقراطية و قيم الانسانية في بلد كسوريا !!!
ان مثل تلك الدول التي تطالب نظاما هو افضل منها في كل المؤشرات  كمثل العاهرة التي تطالب الاخرين بالعفة , و انا هنا لا ادافع عن النظام السوري الذي هو كغيره من الانظمة في المنطقة نهجا و سلوكا بما فيها دول الخليج التي لن تكون اقل دموية و وحشية لو مرت بنفس الظروف و وضعت في نفس الاختبار , و لكن انا هنا استغرب تلك الهجمة التي تطال سوريا و التي هي بعيدة كل البعد عما يحاول البعض اقناعنا به من ان الهدف هو مصلحة سوريا و الحفاظ على امنها و استقرارها , بل اشعر ان هنالك شئ ما يحضر له و يطبخ تحت الطاولة , و لا يخفا علينا تلك السموم التي تبثها يوميا قنوات مملوكة لدول خليجية في حكم المحتلة لا تملك قرارها السياسي
فقناة كالجزيرة التي ابتعدت كثيرا عن المهنية الصحفية و عن شعارها ( الرأي و الرأي الاخر )  تساهم يوما في بث الحقد و التحريض متغلفة بغطاء المهنية و مساندة الشعوب التواقة للتحرر و نتذكر انها نفسها  التي غضت النظر عن احتجاجات البحرين  و ما جري فيها من هدم للمساجد وقتل للمتظاهرين السلميين و الفصل التعسفي من العمل التي طال مواطنيها  فقط لانتماءات طائفية او عرقية , و اكاد اجزم ان هناك تنازلات سورية لو قدمها الاسد للغرب لكان ( الجزيرة هذا الصباح ) ان الاسد هو البطل العربي الاوحد و الرجل الشجاع و هو متعهد بالاصلاح و يجب دعمه , فالهم الاكبر لدول الخليج و اسيادها ان يروا سوريا تماما مثلهم  منبطة و منزوعة السيادة تأتمر بأمر اسيادهم ولا تعصي لهم امرا و تغض الطرف عن اي سياسات تنفز في المنطقة
اما الشعب السوري فهو قادر على انهاء ثورته بنفسه , لو كانت هنالك ثورة حقيقية ( فالتحريض الاعلامي المتواصل و عدم انضمام مدن و قطاعات واسعة من الشعب السوري و خاصة الطبقة الوسطي جعلني اشكك بها ) , اما ثورة على غرار ما حصل في ليبيا تأتي على ظهور الدبابات و اجنحة الطائرات فهو عار سيلحق بالشعب السوري و لن تكون ثورة بل احتلال و تاريخ سوريا و موقعها الجيوستراتيجي المقاوم  في العالم العربي لا يشرف ان يكون مصيرها كذلك و لو فعل ذلك الشعب السوري ذلك فبئس الشعب هو
ولو نظرنا ببراغماتية بعيدة عن العاطفية , فالفيتو المزدوج الروسي الصيني المكرر يؤشر على شيئين هامين :-
اولا : بدء تشكل نظام عالمي جديد متعدد الاقطاب لتنهي مسلسل تفرد القطب الواحد ذو المشاريع الامبريالية الذي كان يديرنا و كل العالم من كرسي يقع علي شرفة في مبني ابيض مطل على شارع بنسلفانيا
ثانيا : النجاح الباهر الذي ما تزال تحققه الدبلوماسية السورية لتضرب مثالا للعالم اجمع و العالم العربي خاصة في كيفية بناء العلاقات الاستراتيجة بالرغم من ضعف الموارد السورية و بالتالي الثمن المفترض ان تدفعة سوريا مقابل بناء هذه العلاقات الديبلوماسية في وقت لا تتعامل الدول الا بسياسة المصالح لتثبت سوريا ان لها سياسة خارجية يجب ان تدرس ( خاصة لدول العالم الثالث الفقير ) و ايضا ليصدق الراحل حافظ الاسد حين قال (ان سوريا تجيد دائما القتال على الحافة و لكنها لا تسقط الا على جثث اعدائها )
و اخيرا : لدي قناعة راسخة ان سوريا ( حصن العروبة المتين و اخر قلاعها ) قادرة على تجاوز هذه الازمة بل ستخرج منها اكثر قوة و منعة , و كلنا نتزكر خروج سوريا من محنة غزو العراق اذ كان مقرار ان تكون الثانية , و ايضا خروجها بكل قوي من قضية اغتيال الحريري و المحكمة الخاصة بلبنان .
                                                                            اولا هنيئا لنا معالم تشكل النظام العالمي الجديد
                                                                                     ثانيا هنيئا لسوريا و دبلوماسيتها
                                                                               و لقطر و بقية دول الخليج ( لا عزاء للعبيد)

الاثنين، 9 يناير 2012

تضامنا مع سجين الرأي محمد حسن بوشي


اطلق مجموعة من النشطاء على تويتر و بقية شبكات التواصل الاجتماعي حملات للتضامن مع النشاط السياسي محمد حسن بوشي الذي اعتقلته اجهزة الامن السودانية بعد ايام من مداخلة له خلال ندوة في جامعة الخرطوم انتقد خلالها الحز...ب الحاكم و ممارساته و وجه نقدا لازعا لمساعد رئيس الجمهورية نافع على نافع
كما دعت مجموعة من الهيئات و المؤسسات الحقوقية لاطلاق سراحة منتقدة حملة الاعتقالات التي تشنها اجهزة الامن مؤخرا بحق عدد من النشطاء السياسيين و قادة الاحزاب
  

المداخلة و انتقاده لنافع التي سببت في اعتقاله


رسالة والدة الناشط محمد حسن علام

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

الغرب و سياسة احتواء الديمقراطيات الناشئة

في مخاطبته لمئات الالاف من الاميركيين الذين احتشدوا في ندوة بعنوان العدالة شرح المفكر و منظر التيار اليساري في الولايات المتحدة و الاستاذ في معهد ماساشوستس  السياسة الخارجية التي تتبعها الولايات المتحدة و بعض الدول الغربية العظمة في احتواء الديمقراطيات الوليدة التي قد تشكل خطرا على المصالحها في منطقة معينة من العالم متخذا العالم العربي و ما يجري في مصر كمثال قائلا :

ستبذل امريكا و حلفائها قصارى جهدهم لمنع ديمقراطية حقيقية في العالم العربي و السبب بسيط جدا , على طول المنطقة العربية هنالك اغلبية متنامية من السكان يعتبرون ان الولايات المتحدة تمثل التهديد الاكبر لمصالحهم و في الحقيقة العداء للسياسة الاميركية كبيرجدا للدرجة ان الغالبية العظمى يعتبرون ان المنطقة ستكون اكثر امنا لو امتلكت ايران سلاحا نوويا , تبلغ هذه النسبة في مصر (وهي البلد الاهم ) 80% وهنالك ارقام اخرى  كالذين يعتبرون ايران كتهديد يمثلون 10%
حسنا من الواضح ان الولايات المتحدة و حلفائها لا يرغبون في مشاهدة حكومة تعبر و تستجيب لتطلعات مواطنيها , ان حدث ذلك ليس فقط ان الولايات المتحدة لن تسيطر على المنطقة بل ستطرد منها
اما عن مصر وهي كما قلنا وهي البلد الاهم بالرغم من انها لا تصدر النفط و تونس و مثيلاتها من الدول فان هنالك خطة ( او لعبة )  تستخدم مرارا و تكرارا وهي شائعة لدرجة انها لا تتطلب ذكاء لفهمها .
هذه اللعبة تنص انه عندما يكون لديك دكتاتورا مفضلا ( مخاطبا الحضور : للذين يريدون الدخول للخدمة الدبلوماسية قد يفكرون في تعلمها )  وهو اي الدكتاتور واقع في ورطة , ادعمه دعما كاملا لاطول فترة ممكنة , وعندما تصل للحظة يصبح مستحيلا دعمه فلنقل , ان الجيش او لوبيات المصالح الاقتصادية انقلبوا عليه , ارسله لمكان ما ثم ابدء باصدار التصريحات الرنانة عن حبك للديمقراطية و الحرية ثم حاول استعادة النظام القديم و ربما بأسماء جديدة .
هذا حدث مرارا و تكرارا قد لا ينجح دائما لكن دائما هنالك محاولات , حدث مع سيموزا في نيكاراغوا , الشاه في ايران , ماركس في الفيلبين , ديفيلييه في هايتي , ذعيم كوريا الجنوبية , موبوتو في الكونقو , سوهارتو في اندونيسيا  و اخيرا مع مفضل الغرب الدكتاتور تشاوتيشكو في رومانيا , انها سياسة نمطية وهو بالضبط ما يجري تنفيزها في مصر الان .


ترجمة : محمد ابراهيم
اضغط هنا لمشاهدة الفيديو كاملا

الثلاثاء، 15 نوفمبر 2011

ما هو سبب فرح الاسلاميين في السودان بفوز حزب النهضة الاسلامي في تونس !!!؟؟

بمناسبة إحراز حركة النهضة في تونس تقدمًا مرموقًا في انتخابات المجلس التأسيسي مؤخرًا، سألت قناة الجزيرة المفكر البارز راشد الغنوشي زعيم الحركة، وأحد أهم رموز اﻹسلام السياسي في المنطقة، عن نظرته لشعار "اﻹسلام هو الحل"، فسارع الرجل لتعديل السؤال إلى: "أي إسلام"؟! ومن ثمَّ مضى إلى اﻹجابة مزيلاً أي حواجز بين اﻹسلام والحداثة والديمقراطية.
في هذا السياق قال الغنوشي: "ليس بالضرورة أن يكون اجتهادك أنت وتصورك للإسلام هو الحل، كأن تعتبر أنك حامل رسالة السماء، وميزان الحق والباطل، والناطق باسم اﻹسلام، ومترجمه اﻷوحد، فما أن تمسك بالسلطة حتى تشرع في فرض رؤيتك هذه على الناس، جاعلاً من اﻹسلام مشكلة، ﻻ حلاً! حركة النهضة ليست "كنيسة" لتقول هذا هو اﻹسلام. ترجمة اﻹسلام هي نتاج تدافع اجتماعي على مبدأ الحرية. الحرية مبدأ أساسي في اﻹسلام الذي هو دين موجه إلى اﻷحرار ذوي العقول. من ﻻ عقل له ﻻ حرية له وﻻ دين. نحن نثق في الناس، في عقولهم وحريتهم. ليس من مهام الدولة فرض نمط معين من الحياة، فتتدخل في ملابس الناس، وما يأكلون، وما يشربون، وما يعتقدون، وفي مساكنهم. وظيفة الدولة أن توفر إطارًا عامًّا للمجتمع يتعايش الناس فيه، ويبدعون، ويتعاونون، ويتدافعون، حتى يتبلور اﻹسلام لديهم كرأي عام وثقافة عامة. أما الإسلام الذي تفرضه الدولة بأدوات القمع فإن الناس يتفلتون منه. مَن يتدين خوفًا مِن الدولة منافق، ونحن ﻻ نريد أن نحول التوانسة إلى منافقين!" (برنامج "في العمق"، 31/10/2011 )
تجربة اﻹسلاميين السودانيين في الحكم معروفة، منذ انقلابهم على الديمقراطية في الثلاثين من يونيو/حزيران عام 1989م؛ فقد ظلت هذه التجربة تجري على خط مغاير لأطروحة الغنوشي والنهضة طردًا عكسيا. وقد تكفي اﻹشارة إلى أحدث مخاطبات الرئيس السوداني، في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أثناء حفل افتتاح مدينة رياضية بغرب أم درمان، حيث كان يُنتظر أن يستغل تلك المناسبة للإعلان عن خريطة طريق محددة تكفل انفلات البلاد من طوق اﻷزمات الخانقة التي أحاطت بها على خلفية انفصال الجنوب، وخروج النفط من قائمة موارد البلاد، وتدمير القطاعين الزراعي والصناعي بفعل السياسات الاقتصادية الخاطئة، وتفاقم الضوائق المعيشية، تبعًا لذلك في كل الوﻻيات، وانفجار اﻷوضاع اﻻحتجاجية في كسلا والقضارف ومناطق أخرى، وازدياد المهددات الحربية واﻷمنية في دارفور وأبيي وجنوب كردفان والنيل اﻷزرق، وغيرها.
 
لكن الرئيس نحا بدﻻ من ذلك منحى آخر، حيث دعا المواطنين إلى "الإكثار من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ﻷنها تغيظ الشعبيين (حزب الترابي) والشيوعيين"،  قائلاً إن نظامه "سيمضي في إقامة دولة إسلامية قوامها الشريعة، ومجتمع قرآني متكافل، متراحم، خال من الموبقات، متمسك بمبادئ الدين، ونابذ لدعوى الجاهلية والقبلية والعنصرية".. إلخ (اﻷهرام اليوم 3/11/2011م).
 
ما يهمنا إبرازه هنا، بوجه خاص، هو أن الغنوشي، سواء في حديث قناة الجزيرة المار ذكره  أو في غيره، لم يكتف بإضاءة النهج الذي ستعتمده حركته في إدارة الدولة والمجتمع، بل عبَّر بوضوح ﻻ يحتمل اللبس عن نقده لنهج أنظمة أخرى تلبست اﻹسلام، وقدمته في مستوى القهر ﻻ الحرية، والجبر ﻻ اﻻختيار، والتخلف ﻻ الحداثة، ففشلت أيما فشل، وأساءت بالتبعية، للإسلام ذاته في نظر المسلمين  قبل غيرهم.
 
ولن نكون غادرنا الحقيقة مقدار عقلة إصبع إن نحن أومأنا هنا إلى تجربة اﻹسلام السياسي السوداني في الحكم باعتبارها من التجارب الفاشلة التي عناها الغنوشي ليس فقط ضمن مقارنته المثيرة للجدل، التي اعتبرها الكثيرون في حاجة إلى توضيح،  بين الحركتين اﻹسلاميتين السودانية والتونسية إزاء هتين الهُويتين الوطنيتين، وإنما بإفصاح أكثر في العديد من أحاديثه اﻷخرى. وما لنا نتكبد مؤونة اﻻستقراء واﻻستنتاج ودوننا تقويم الرجل بنفسه للتجربة السودانية، لا بين يدي انتخابات 2011م التونسية فقط، وﻻ حتى بعد فوز حركته بها فحسب، بل قبل ذلك بكثير جدًّا، وفي أكثر من مناسبة، منذ مطالع ثمانينيات القرن المنصرم!
 وليتذكر الاسلاميين ان الغنوشي حين زار الخرطوم بدعوة منهم و شارك في ندوة في جامعة الخرطوم  قال في هذا الشأن إن ".. النضال من أجل الحرية هو من جوهر النضال من أجل الإسلام، وإذا اعتبرت الحركة الإسلامية أن الحرية ليست قضية جوهرية فذلك سقوط رهيب! والذي أخشاه أن تكون الحرية قضية (ظرفية) بالنسبة لنا، نطالب بها عندما يكون (الظرف) غير مناسب لنا. وهنا يكون السقوط الرهيب. إننا نطالب بالحرية للإنسان أيًّا كان" (محاور إسلاميَّة، ط 1989م، بيت المعرفة، ص 143). 
وبعد ثلاثين عاما من ذلك ها هو الغنوشي يعود ليقول ما ننقل عنه هنا بتصرف: إن فشل التجربة السودانية أمر واقع. وليس متوقعًا ممن فشل في إدارة الحوار في صلب جماعته أن ينجح في التوافق مع جماعات لطالما أعلن عليها الجهاد، ولم يدخر وسعًا في تخوينها، والتعبئة ضدها. وليس متوقعًا ممن أسس مشروعه على استبعاد الآخرين والانفراد بالسلطة، ونظّر لذلك ورتب عليه أمره أن يتراجع، أو يتحول إلى ديمقراطي يحترم حقوق الآخر! إن اتفاقية السلام لا تعني حسم الداء من أساسه طالما استمر الفشل في اقتسام السلطة مع بقية المكونات الرئيسة للبلد عبر الحوار. إن المشروع إﻹسلامي الذي كان يبشر بالحرية، والتجديد، والتأصيل لسلطة الشورى، والمؤسسة، والمجتمع المدني، تحوّل إلى حكم قامع ومستبد، يستأثر رجاله بالمناصب والمصالح لأنفسهم وأسرهم وأبناء قبائلهم، ويزاحمون على الشركات، والمشاريع التجارية. المشروع الإسلامي في السودان امتداد لعجز أصيل في تاريخنا السياسي عن إدارة الاختلاف سلميًّا، وعن عدم المسارعة إلى سيف الحجاج وأدوات الدولة العنفية لإقصاء الآخر (سودانايل، 26/12/2010م).
 
ﻻ يستطيع أحد، بالطبع، أن يماري في أن الغنوشي وحزبه وحدهم المسؤولون عن مدى النجاح الذي يمكن أن يصيبوه في المحافظة على طرحهم المفتاحي  ناصعًا ومقنعًا للمزيد من الجماهير المسلمة التي أولتهم، كما يمكن أن توليهم في المستقبل، ثقتها عبر صناديق اﻻنتخابات، وذلك من خلال ما يستطيعون إظهاره، في مستوى التطبيق، من اقتران وثيق بين اﻹسلام والديمقراطية والحداثة. 
 
ولعل الغنوشي قصد أن يُضمِّن حديثه المار ذكره وعيهم بهذه المسؤولية، واستعدادهم لتحملها، حيث حرص  على اﻻستناد إلى المنطق البسيط القائل بأنهم، إذا أرادوا تكرار حصد أصوات الناخبين في اﻻنتخابات القادمة، فإن ذلك لن يتيسر لهم، بطبيعة الحال، إذا ما تكشف مستقبلاً، أنهم يكذبون (قناة الجزيرة 31/10/2011م).
 
هذا، يقينًا، هو منطق من وطن نفسه على العمل من فوق منصات ديمقراطية، فإذا نجحت حركة النهضة عمليًّا في ذلك، فسوف تثبت أوﻻ أنه ﻻ وجود لنموذج إسلامي واحد متكرر ومتطابق، وثانيا أنها مغايرة للنماذج الفاشلة كنظيرتها السودانية، وثالثا أنها جديرة بثقة الناخبين "المسلمين" فيها، ورابعا أن فرحة الإسلاميين السودانيين بفوزها هي فرحة لا طائل من ورائها
 

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

يا معشر المواطنون الخونة

يا معشر المواطنين الخونة  

 لو سبرت عقل كل واحد منكم من عالمكم إلى جاهلكم ومن غنيكم إلى فقيركم  شبابكم وشيوخكم سأجد الكثير الكثير منكم يأملون ويتمنون ويحلمون في صحوهم ومنامهم أن ينصبوا لي مشنقة أو يرموني بالرصاص ومنهم من يريد أن يصنع لي خازوقا ً على مزاجه بمواصفات ضيّع عمره وهو يتفنن في تخيله – خشبي .. معدني .. مدبب أو مثلث أو مبروم - ومنكم من يريد إذابتي بالأسيد بعد أن يستنبط  أساليب وطرق ليتمتع بتعذيبي والقليل منكم يريد محاكمتي محاكمة عادلة كمحاكمة عزيزي صدام !!
 غفر الله لك يا ابن العم .. كنت بطلا ً لا تعرف الرحمة ولا الشفقة
ويلكم مني .. الويل ثم الويل لكم جميعا ً ..
 سيقول بعضكم أني ظلمته بظني هذا !
ربما هذا صحيح – ولـكن - منهاجي وسياستي  المكافئة فردية  لخلاني الخدم والعقوبة جماعية لمعشر المواطنين الخونة .. لكم أن تعيشوا تحت أقدامي شئتم أم أبيتم مع وعدي لكم أن تبقوا متنعمين بظل بسطاري إلا من تكبر منكم على عطفي ولملم ما تبقى من إنسانيته وهاجر فهذا مواطن عاق إلى أن يعود عن غيه فأرجعه حياته الأولى و حظيرته  أَوّلى ، أما من تفكر وتدبر وخازوقا ً لي نجّر .. فستثكله أمه وخاله وعمه .. وأما أبيه الذي لم يربّيه .. فبول رعيتنا ورعاعنا سنسقيه ..    

أما أنتم صفوة أهلي وعشيرتي والأصدقاء المقربون
لكم ما لي وعليكم ما علي عدا كرسيي هذا فمن تُسَوِّلُ له نفسه الدنيئة أن يسحبه من تحتي فلا يلومنّ إلاّ نفسه إذا وجدها من الأحياء كلوا واشربوا واهنئوا ما استطعتم واجمعوا وأكثروا من خيراتي فإني باسط يداي لكم ما دمتم في طاعتي واعلموا أني أطلقت أيديكم على الحثالة - شعبي – واطمئنوا فشكواهم لن تصلني فأنا أصم ٌ أعمى عنكم  وإن مررها غبي ٌ من حجّابي فلا تخافوا ولا تحزنوا فسيفي لن يصل رقابكم وإنما سأكف يد أحدكم عن المشتكي إلى حين تكف الأرامل عن البكاء والنواح  ..

أما أنتم معشر المنتفعين من كرسيي هذا .. فاسمعوا واعووا
أعلنتم  السمع والطاعة صاغرين رغم أنوفكم وليس بدافع المحبة والرضا وعليه فإني سأمن ّ عليكم  بحرية النهب والسلب والاختلاس والرشوة وليكن معلوم لديكم أن ما تسرقوه من خزائني هو بمثابة الدين والأمانة فمتى انتكستم على أعقابكم أطلقت عليكم كلابي فيأتوني بكم وبأموالكم لتتفسخ أجسادكم في غياهب سجوني وتعود أموالي لخزائني يا لصوص ..

أما أنتم معشر كبار التجار وأواسطهم
 لا تظنوا بأني مصدق ولائكم الأعمى لي وعليه فأنتم بمأمن من بطشي ما دام المال شغلكم الشاغل فضاعفوا أموالكم وأملاككم ومارسوا تكبركم وتجبركم على حثالتي الفقراء وزيدوهم فقراً وفاقة وعوزاً واجعلوا سعيهم رغيفهم وحلمهم سقفاً يأويهم .. هذا مداكم ولا تَمُدّنَّ أعينكم إلى شيء ما أنتم ببالغيه ولا تعينوا مارقاً أو فاسقاً يطمح بما ليس له ومن ارتكب منكم حماقة كهذه وأعمته الحمية .. فسأسلخ جلده عن لحمه .. وأسحب نخاع عظمه ..فيصبح باكياً حليب أمه  

ألا هل بلغت .. يا شعب اشهد

السبت، 12 نوفمبر 2011

Mohamed Ibrahim Gelady: الاسلام "الرافعة السياسية"

Mohamed Ibrahim Gelady: الاسلام "الرافعة السياسية": إن الدعم الحقيقي الذي يمنحه الشعب المسلم لأيّ نظام في السلطة يتناسب طرديا مع مقدار ما يتمتع به هذا النظام من طابع إسلامي ، وكلما ابتعد ا...

الاسلام "الرافعة السياسية"

إن الدعم الحقيقي الذي يمنحه الشعب المسلم لأيّ نظام في السلطة يتناسب طرديا مع مقدار ما يتمتع به هذا النظام من طابع إسلامي ، وكلما ابتعد النظام عن الإسلام قلّ دعم الشعب , و هذا ليس بسبب سطحية التفكير لدى الشعوب الاسلامية بل بسبب ان هذه الشعوب في حقيقة الامر متعطشة لرؤية نظام اسلامي نموزجي يساهم في بناء الدولة الحديثة التي لها مكانتها السياسية و الاقتصادية و العسكرية و هي تؤمن ان ذلك ممكن . لكن نجد ان بعض الانظمة تستخدم الاسلام كرافعة سياسية و غالب هذه الانظمة في حقيقتها خاوية , لا تستند الى اي  مشروع فكري او حضاري ومتى ما تخلت عن شعارها الاسلامي او حادت عنه تعرضت للاخطار التي تمهد لزوالها . اما الأنظمة المعادية للإسلام فهي في الغالب محرومة تماما من أي دعم شعبي ، ومن ثم تجد نفسها -طوعا أو كُرها- مجبورة على البحث عن روافع سياسية اخرى كبعض الشعارات الوطنيية او الاعداء المصطنعين لحشد التأيد الشعبي حولها او تبحث عن الدعم لدى قوى أجنبية . ولذلك فإن التبعية التي تغرق فيها هذه الأنظمة هي نتيجة مباشرة لتوجهاتها

الجمعة، 26 أغسطس 2011

خطـة «كـرة الثـلج» الأميـركيـة لإسـقاط الأسـد

سامي كليب
حين قرر قيصر روسيا طرد اليهود من دولته، وقف ببابه رجل يهودي وخلفه زوجته وأبناؤه وقال راجيا: «يا سيدي لو تركتني عندك عامين فسأجعل كلبك يتحدث الروسية كأي إنسان آخر». نظر القيصر إليه باستغراب شديد وأجابه محذِّرا: «سأقبل عرضك، ولكن لو لم ينطق الكلب فسوف أعدمك وعائلتك». فرح اليهودي وعاد مع عائلته إلى منزله ليواجه غضب زوجته التي ما إن اجتازت عتبة البيت حتى صاحت به :«ماذا فعلت بنا؟ أتريده أن يقتلنا؟». ضحك زوجها اليهودي وأجاب: «بعد عامين سيموت القيصر أو أموت أنا أو يموت الكلب، الزمن كفيل بتغيير كل شيء يا حبيبتي».
يبدو أن واشنطن قد فهمت تماما أسرار الاستراتيجية السورية، وبين هذه الأسرار لعبة الزمن. الرئيس الراحل حافظ الأسد أتقنها تماما وربح الكثير من المعادلات عبر خياراته الذكية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. الرئيس الحالي بشار الأسد ورث عن أبيه قيمة الانتظار، ومفادها انه ينبغي تثبيت الأمن الداخلي بحزم وانتظار متغيرات إقليمية ودولية. منطقة الشرق الأوسط حبلى بالمتغيرات والمفاجآت.
ولأن واشنطن فهمت الاستراتيجية السورية، فهي ستحاول بكل الوسائل منع نظام الأسد من الإفادة من لعبة الوقت. تقول معلومات موثوقة من واشنطن، إن السفير الأميركي في دمشق روبرت فورد عاد مؤخرا من بلاده بخطة عمل واضحة لتسريع الخطوات بغية إسقاط نظام الأسد. إنها «كرة الثلج»، وتقضي هذه الخطة بدفع المعارضة لتوحيد صفوفها بأسرع وقت ممكن، والاتفاق على بيان سياسي لا يتعدى الصفحة الواحدة يكون عنوانا للمرحلة المقبلة. كما تقضي بالبحث جديا عن عدد من الضباط السوريين الذين يمكن أن يشكِّلوا مجلسا عسكريا، ولا تعارض واشنطن أن يكون جل هؤلاء من الطائفة العلوية، شرط الالتزام بعدد من الشروط المتعلقة بالانتخابات الحرة والإصلاحات والمصالح الأميركية والعلاقة مع إسرائيل.
كان السفير الأميركي الذي يتقن لغات عديدة بينها العربية، قد استُقبل في واشنطن في مطلع آب الحالي استقبالا لافتا حيث خصّه الرئيس باراك أوباما بلقاء طويل نسبيا، والتقى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومسؤولي الأمن القومي والاستخبارات. تقول المعلومات إن فورد عاد من تلك اللقاءات بكلمة السر التالية :«قرارنا أن الأسد فقد شرعيته، وان أي كلام عن إصلاحات لم يعد نافعا، والمطلوب منه الآن فقط وقف العمليات العسكرية وسحب الجيش».
جاء الموقف الأميركي هذا بعد تقارير وافية حملها فورد حول حركة المعارضة السورية وتحديدا «التنسيقيات»، وجاء أيضا بعد زيارته مدينة حماه، التي بقيت ظروفها غامضة حتى وقت قريب لجهة كيفية وصوله إلى تلك المدينة الحساسة ولقاءاته بمسؤوليها المحليين والمعارضة فيها، والتي يغلب عليها الطابع «الاخواني».
حين عاد فورد من حماه، روى كيف انه فوجئ بان الإسلاميين يقيمون هناك دولة داخل الدولة، فلهم قيادة خاصة وتراتبية في المناصب، وعندهم ترتيبات أمنية ووسائل حماية خاصة.
كيف وصل فورد إلى حماه؟
تشير مصادر أمنية إلى أن السفير الأميركي استخدم حيلة ذكية في الوصول إلى حماه. لجأ إلى اتفاق سابق بين دمشق وواشنطن يسمح للملحق العسكري الأميركي فقط بالتنقل عبر المناطق السورية بمجرد أن يقدِّم طلبا إلى القيادة العسكرية. أي أن الملحق قادر على التحرك قبل حصوله على الموافقة أو حتى من دونها. تحرَّك السفير بسيارة الملحق واسمه. جاء الرد الرسمي السوري غاضبا. تم منعه لاحقا من التحرك في مسافة تزيد على 25 كيلومترا. ردت واشنطن بموقف مماثل حيال السفير السوري هناك. لكن فورد عاد بعد فترة ليطلب رسميا الذهاب إلى مدينة حلب. جاءه الرد السوري بان الحفاظ على أمنه الشخصي يمنع وزارة الخارجية السورية من منحه الإذن، أجاب: «هل هذا يعني أن الأمن السوري عاجز عن حفظ الأمن في تلك المنطقة؟». يبدو أن دمشق قررت عدم إجابته على سؤاله، لأنها فهمت المغزى.
تم تقديم زيارة فورد إلى مدينة حماه على أنها عمل بطولي. كانت واشنطن تنتظر أن يؤدي ذلك إلى تأجيج التظاهرات في المدينة ومحيطها، ولكن أيضا إلى تأجيج الشعور العربي السني ضد نظام الأسد. وثمة هدف ثالث بقي بعيدا عن الأنظار ويتعلق برغبة الإدارة الأميركية في التجاوب مع مطلب أنقرة. كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قد أفهم الإدارة الأميركية، ومعها بعض القادة العرب وسوريا نفسها، بان حماه هي «قضية شخصية» وانه تعهد بحمايتها. يبدو انه قال الأمر نفسه لبعض قادة الإخوان المسلمين.
بادر أوباما وقبله كلينتون إلى تهنئة السفير الأميركي على ما قام به في حماه. تأكدت الإدارة الأميركية من أن فورد، ذا التاريخ الناجح جدا في عدد من الدول العربية والإسلامية في عهد جورج بوش (من الجزائر والمغرب وتركيا ومصر إلى العراق فسوريا)، كان الخيار الأفضل لأوباما إلى دمشق رغم الامتعاض الأولي للجمهوريين وبعض الديموقراطيين. نجح أوباما في فرض وجهة نظره بالنسبة للسفير على أعضاء الكونغرس الأميركي.
كان لافتا أن يبقى فورد في دمشق، بينما جل السفراء الخليجيين خرجوا من سوريا بضغط أميركي أولا واحتجاجا على القمع الأمني للمتظاهرين ثانيا. والأغرب أن يبقى السفير في العاصمة السورية بعد أن أعلن أوباما نفسه أن على الأسد الرحيل، وانه بات فاقدا الشرعية.
هذا بالضبط ما يحمل على الاعتقاد بان الرجل يحمل فعلا خطة مدروسة لدعم الشارع السوري ضد القيادة. ثمة كلام جدي لدى بعض الأوساط العائدة حديثا من واشنطن بأن البحث جار عن كيفية تحريك «كرة الثلج» في الشارع. يقال إن المطالب الملحة من قبل الغرب، لكن أيضا من قبل تركيا، لوقف العمليات العسكرية وسحب الجيش تمهد لتطبيق تلك الخطة. تبين للأميركيين أن «التنسيقيات» هي السبيل الأفضل لتحريك الشارع وليس وجوه المعارضة المعروفة. كان لقاء هيلاري كلينتون مع عدد من أركان المعارضة مخيبا لآمال الإدارة الأميركية. جرت لقاءات أخرى بعيدة عن الأضواء مع عدد من المعارضين الآخرين. اقتنعت الإدارة الأميركية بأنه لا بد من التحرك في الداخل السوري، وهذا يفترض توفير مناخ جيد لذلك. الضغط سيزداد في المرحلة المقبلة لسحب الجيش.
الأوساط السورية شبه الرسمية تشير إلى أن القيادة أدركت منذ البداية أن التساهل في الموضوع الأمني سيجعل إمكانية تأثير الخارج على الشارع كبيرا. كان هذا أحد أهداف تشديد القبضة الأمنية، وليس فقط القلق من المسلحين أو من توسع رقعة التظاهرات.
سعى الأميركيون قبل فترة قصيرة إلى الترويج لفكرة أن الأسد نفسه ليس مسيطرا تماما على القرار الأمني. تباحثوا في هذا الأمر مع عدد من رموز المعارضة. سرت معلومات تقول بان واشنطن ومعها بعض حلفائها يبحثون عن شخصية بديلة من قلب النظام نفسه. ترددت أسماء كثيرة، بعضها سني الطائفة وبعضها علوي، لكن بقاء القيادة متماسكة طيلة الأشهر الماضية، ومشارفة شهر رمضان على الانتهاء، أقنعت الجميع بصعوبة المراهنة على انشقاق داخلي، فكان الاتجاه نحو تبني اتجاهين في خطة «كرة الثلج»: أولهما استمرار البحث عن بدائل للنظام من قلب النظام، وثانيهما تفعيل حركة الشارع ودعمه وتقديم نصائح حثيثة للتنسيقيات بغية توحيد صفوفها وتنظيم عملها. ليس غريبا والحالة هذه أن تجاهر بعض رموز المعارضة في القول لزوارها انه ما عاد بالإمكان قلب النظام من دون تدخل خارجي، برغم انتقاد جزء من هذه المعارضة للتدخلات الأجنبية.
تركيا وقطر والسعودية
في بحثها عن مناطق إسناد خارجية لتطبيق خطة «كرة الثلج»، ضغطت الإدارة الأميركية على دول الخليج لاستصدار موقف ضد سوريا. جاء الموقف الخليجي الرسمي من قبل بيان مجلس التعاون أو البيان الذي صدر عن الملك السعودي عبد الله مفاجئا للقيادة السورية. تفيد معلومات دبلوماسية دقيقة في دمشق أن الأسد كان غالبا ما يتلقى اتصالات من كبار المسؤولين الخليجين يؤكدون له فيها أنهم إلى جانبه، وأنهم لا يريدون سقوطه، وإنما عليه أن ينتهي سريعا من العمليات الأمنية. يؤكد هؤلاء أن الملك عبد الله نفسه كان المبادر في الشهر الأول من الاحتجاجات السورية إلى الاتصال بالأسد وإبلاغه موقفه المؤيد. لم تنقطع الاتصالات الخليجية. كان نائب رئيس حكومة الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يؤكد للمقربين منه انه يصدِّق الرواية السورية حول وجود مسلحين، وكان يحرص على استمرار الاتصالات بالأسد. تشير المعلومات الدبلوماسية نفسها الى أن اتصالات بعض القادة الخليجيين لم تنقطع حتى بعد سحب السفراء. سعى البعض لتبرير ذلك والقول بان القيادة السورية تتفهم موقفهم.
لم ترد دمشق على المواقف الخليجية. لا بل إنها حرصت منذ البداية على عدم المجاهرة باستيائها من القيادة القطرية رغم كل ما تقوله عن دور قناة «الجزيرة» في تأجيج الشارع السوري. لم يقل الرئيس الأسد شيئا في مقابلته المتلفزة عن الموقف الخليجي. ثمة من يفسر ذلك بالحرص على إنجاح المساعي الهادفة إلى إبقاء الاتصالات مع الخليج قائمة، وخصوصا مع السعودية والإمارات.
تنفرد قطر في استثارة الاستياء السوري. يقال إن اتصالات أميرها بالرئيس الأسد بقيت مستمرة خصوصا في الشهرين الأولين للازمة السورية، لكن مواقفه مريبة. ينحو البعض صوب القول بان خطة «كرة الثلج» الأميركية كانت بحاجة إلى ذراع إعلامية قوية. دخلت فضائيتا «الجزيرة» و«العربية» في دائرة الاتهامات السورية المباشرة، طال الاتهام أيضا صحفا تابعة للسعودية وقطر.
يقول البعض الآخر إن اتصالات أمير قطر مع طهران تصب في خانة معرفة حقيقة الموقف الإيراني من النظام السوري وإمكانية إقناع القيادة الإيرانية بان سقوط الأسد لن يؤثر على علاقة طهران بدمشق لاحقا، وان لإيران مصلحة في شيء من الحياد حاليا في المشهد السوري في مقابل أن يقدم لها الغرب تسهيلات لجهة رفع العقوبات انطلاقا من سياسة «الخطوة خطوة» التي طرحت مؤخرا. يقول أصحاب هذه النظرية إن ثمة محاولات حثيثة للتوجه صوب إيران وإقناعها بان الإخوان المسلمين ليسوا ضدها، وأنهم يتفهمون أكثر من أي طرف آخر الموقف الإيراني القائل بان ما يحصل في الوطن العربي هو صحوة إسلامية. ثمة من يسخر من هذه المعلومات ويقول إن إيران لا تقبل أي نقاش حول احتمال سقوط النظام السوري. على العكس تماما كثفت إيران جهودها الدبلوماسية (زيارة رئيس لجنة الأمن القومي والعلاقات الخارجية في إيران علاء الدين بروجردي إلى القاهرة) وإغراءاتها الدولية (إحياء الوساطة الروسية في الملف النووي)، أو الإقليمية (تقارب مع السعودية وقطر) بغية مساعدة النظام السوري والتصدي للتدخلات الأميركية.
العلاقات المتقدمة بين إيران ومصر تعطي مفعولها. يقول مسؤول مصري مقرب من المؤسسة العسكرية إن المجلس العسكري لا يريد سقوط نظام الأسد، ويشير إلى أن جدلا قام مؤخرا في أوساط القيادة المصرية بعد أن طرح البعض إمكانية تحميل إيران وسوريا مسؤولية الهجوم على ايلات. رفض القادة العسكريون ذلك. هل للتقارب الإيراني المصري دور في ذلك؟
كان احد ضيوف الرئيس الأسد نقل عنه مؤخرا موقفا واضحا حيال إيران. قال الرئيس السوري انه يعتبر الموقف الأوروبي من بلاده «قبيحا». شرح أن الأوروبيين طلبوا منه غير مرة فك التحالف مع إيران أو تسهيل مصالحهم مع طهران، وأكد انه رفض ذلك غير مرة، لا بل انه قال إن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك كان على حق حين قال للرئيس الحالي نيكولا ساركوزي انه لن يحصل على شيء في مقابل تقاربه من القيادة السورية، لان شيراك يعرف انه لم يحصل على شيء بالنسبة للملف الإيراني. الموقف السوري واضح إذاً حيال الأهمية الوجودية لهذا التحالف.
أما بالنسبة لتركيا فيشرح دبلوماسي مقرب من دول الخليج أن السعودية ليست مرتاحة أصلا إلى التفرد التركي بالملف السوري. يؤكد أن بيان الملك عبد الله جاء معتدلا حيث انه تحدث عن ضرورة «الحكمة» في الملف السوري. كان لا بد من صدور موقف سعودي، ليس بفعل الضغوط الأميركية فقط، وإنما لان الرياض لا تقبل بان تصبح أنقرة هي «الراعي السني» لأهل سوريا أو المنطقة.
يتعزز هذا الاعتقاد حول الاستياء السعودي من التفرد التركي، بعد المعلومات التي رشحت عن الاتصالات التركية -الإيرانية الأخيرة. زيارة وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو لطهران أثارت السعودية وبعض دول الخليج. اضطرت تركيا لشرح الموقف لاحقا للقيادة السعودية. مفاد الموقف أن الهدف هو وقف العنف في سوريا وتهدئة الأوضاع وإقناع الأسد بسحب جيشه وليس أي شيء آخر.
ليس مهما من وجهة النظر السورية معرفة أي دولة إقليمية مستاءة من الأخرى. الأهم هو رصد تأثير ذلك على الداخل السوري. حين طرحت الإدارة الأميركية فكرة أن تطلب السعودية وتركيا من الأسد التنحي، كانت هذه الإدارة تدرك تماما أن الاستياء السعودي من الرعاية الأميركية للدور التركي في الملف السوري واضح. سعت واشنطن لإرضاء الرياض ولكن هدفها بقي نفسه: لا بد من تشكيل محور إقليمي سني يساهم في تكبير «كرة الثلج» من جهة، ويشكل حاجزا أمام التدخل الإيراني.
في هذا المسعى ثمة دول عربية تضغط على حركة حماس للخروج نهائيا من سوريا. يحاول البعض جر الحركة إلى الموقف العام للإخوان المسلمين وللاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لجهة المجاهرة بشجب النظام السوري. يصطدم ذلك بمواقف عدد من القادة البارزين في الحركة. يؤكد رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل لزواره أن أحدا لم يقدم للحركة ويدعمها كما فعل الرئيس بشار الأسد. يقول مسؤول حماسي آخر إن ذهاب الحركة إلى قطر يشابه إلى حد بعيد مع ذهاب الرئيس ياسر عرفات إلى تونس، أي الدخول في مرحلة إنهاء الحركة، وان استقرارها في مصر قد يلغي دورها المقاوم. لكن الأكيد أن الضغوط تكبر لفك التحالف بين حماس ودمشق، وذلك بذريعة أن تغيير المشهد السوري يعني وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة أو إلى جزء أساسي من السلطة في سوريا، وان وضع الحركة مع النظام المقبل سيكون أفضل.
لصالح من ياعب الوقت؟
يتغير المشهد الإقليمي في الوقت الراهن. تشتد المعارك التركية مع الأكراد. توحي إيران بأنها دخلت مجددا إلى الملف الكردي (إعلان عن اعتقال الرجل الثاني في حزب العمال الكردستاني مراد قره يلان ثم نفي ذلك). يغلي العراق امنيا وسياسيا على وقع المفاوضات بشأن مستقبل القوات الأميركية. تلتهب إسرائيل بالعملية الفدائية في ايلات ثم الهجمات الهمجية على غزة. تتوتر العلاقات المصرية الإسرائيلية. تنشط الحركة الفلسطينية بشأن إعلان الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة. يضغط الأميركيون على إسرائيل للاعتذار من تركيا بشان مجزرتهم ضد الأتراك في «أسطول الحرية» إلى غزة. تعتقد واشنطن انه لا بد من هذا الاعتذار في مقابل دعم الإدارة الأميركية للجهود الإسرائيلية ضد الدولة الفلسطينية. الأتراك ينتظرون الاعتذار وأمامهم كل الاحتمالات.
وسط هذا المشهد ، يمكن لـ«كرة الثلج» الأميركية أن تستمر في سوريا، ولكن ثمنها سيكون باهظا جدا. القيادة السورية لن تترك الملف الأمني يفلت من يدها مرة ثانية، و«التنسيقيات» تعلم أن أي استعادة للقوة على مستوى القيادة السورية يعني دفع ثمن باهظ لاحقا. سعى الرئيس الأسد لسحب البساط عبر حواره المتلفز أمس الأول وتحديد مواعيد روزنامة واضحة للإصلاحات. سارعت المعارضة للقول إن الأمر تأخر. المعركة الداخلية مرشحة إذاً لخضات لن تهدأ قريبا. المعركة مستمرة وقد تطول والرئيس الأسد تعمد في لقائه المتلفز التأكيد على قوة الدولة والأمن، تماما كما تعمد الحديث بالتفصيل عما جرى في اجتماع اللجنة المركزية لحزب البعث، ذلك أن الحزب يبقى أولوية بالنسبة للنظام في المرحلة المقبلة. المعركة طويلة، لكن التوترات في المنطقة تعيد الأمور إلى منطق اليهودي الذي كان ينتظر عند باب القيصر. فلمصلحة من سيلعب الزمن؟